أحدها : التنبيه على عظم القدرة ، نحو :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ »
« 1 » كناية عن آدم عليه السلام فإنّ إخراج الذرّ الكثير من أصل واحد دليل على عظمة الصانع تعالى وقدرته الخارقة . فلو كان صرّح باسمه عليه السلام لكانت إشادة بشأنه بالذات .
ثانيها : ترك اللفظ إلى ما هو أجمل ، نحو :
« إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ »
« 2 » . فكنّى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك ، لأنّ ترك التصريح بذكر المرأة أجمل منه ، ولهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلّامريم . قال السهيلي : وإنّما ذكرت « مريم » باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة ، وهي أنّ الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ ، ولا يبتذلون أسماءهنّ ، بل يكنّون عن الزوجة بالفرس والعيال ونحو ذلك ، فإذا ذكروا الإماء لم يكنّوا عنهنّ ولم يصونوا أسماءهنّ عن الذكر ، فلمّا قالت النصارى في مريم ما قالوا صرّح اللَّه باسمها ، ولو لم يكن تأكيداً للعبودية التي هي صفة لها وتأكيداً لأنّ عيسى لا أب له وإلّا لنسب إليه .
ثالثها : أن يكون في التصريح ممّا يستقبح ذكره ، ككناية اللَّه عن الجماع بالملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والدخول والسرّ في قوله :
« وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا »
« 3 » والغشيان في قوله :
« فَلَمَّا تَغَشَّاها »
« 4 » .
أخرج بن أبي حاتم عن ابن عباس ، قال : المباشرة الجماع ، ولكنّ اللَّه يكنّي . وأخرج عنه ، قال : إنّ اللَّه كريم يكنّي ما شاء ، وإنّ الرفث هو الجماع .
وكنّى عن طلبه بالمراودة في قوله :
« وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ »
« 5 » . وعنه أو عن المعانقة باللباس في قوله :
« هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ »
« 6 » .
وبالحرث في قوله :
« نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ »
« 7 » .
هامش
( 1 ) . الأعراف : 189 .
( 2 ) . ص : 23 .
( 3 ) . البقرة : 235 .
( 4 ) . الأعراف : 189 .
( 5 ) . يوسف : 23 .
( 6 ) . البقرة : 187 .
( 7 ) . البقرة : 223 .