يريد من الصعود والرفعة في القدرة والمنزلة ، لكنّه بنى على تناسي التشبيه ، فزعم أنّه يحاول الصعود إلى السماء على حقيقته ! وهذا التشبيه والتناسي خاليان من أيّ لطف وظرافة .
وقايس بينه وبين قوله تعالى :
« إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ »
« 1 » انظر إلى جرس لفظه ولطف تعبيره .
وقوله تعالى :
« رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ »
« 2 » .
كلامٌ خالٍ من التشبيه ، لكن ملؤه الأُبّهة والجلال والكبرياء ، في حسن النظم وجودة التعبير .
قال ابن رشيق في باب الاعتذار : وأجلّ ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث ، يقول في إحداهنّ :
نُبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني * ولا قرار على زأر من الأسد « 3 »
ويقول في الثانية :
فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني * إلى الناس مطلى به القار أجرب « 4 »
ويقول في الثالثة - وهي أجودهنّ وأبرعهنّ - :
فإنّك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المُنتأى عنك واسعُ « 5 » « 6 »
قال : وأفضل من هذا كلّه قول اللَّه تعالى :
« يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
هامش
( 1 ) . فاطر : 10 .
( 2 ) . غافر : 15 .
( 3 ) . زأر الأسد : صات من صدره .
( 4 ) . القار : القير .
( 5 ) . المنتأى : المبتعد .
( 6 ) . العمدة : ج 2 ص 176 - 179 .