فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ »
« 1 » .
وقال من اعتذر للنابغة : إنّما قدّم الليل في كلامه لأنّه أهول ، ولأنّه أوّل ، ولأنّ أكثر أعمالهم إنّما كانت فيه ، لشدّة حرّ بلدهم ، فصار ذلك عندهم متعارفاً « 2 » .
وعقد ابن رشيق باباً في أغاليط الشعراء والرواة ، ذكر فيه مآخذ علماء الأدب على كثير من أشعار القدماء والمحدّثين ، فكان من ذلك ما أخذوه على قول زهير يصف ضفادع « شربات » :
يخرجن من شربات ماؤُها طحلٌ * على الجذوع يَخَفْنَ الغمر والغرقا « 3 »
إذ لا تخاف الضفدعة من الغرق مهما كان غمر الماء ! فقد غلط في هذا التوصيف .
واعتذر عنه بأنّه لم يرد خوف الغرق على الحقيقة ، ولكنّها عادة من هرب من الحيوان من الماء ، فكأنّه مبالغة في التشبيه ، كما قال تعالى :
« وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ »
« 4 » .
وقال :
« وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ »
« 5 » .
والقول فيهما محمول على « كاد » . هكذا ذكر الحُذّاق من المفسّرين . مع أنّا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابّة ، خوفاً على نفسها من الهلكة ، فكأنّه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات « 6 » .
قلت : فعلى هذا كان كلامه وصفاً للماء لا للضفادع . وعلى أيّ حال ، فإنّ استهداف هكذا أهداف حقيرة وهابطة كانت حصيلة تضايق آفاق الحياة العربية حينذاك . وأين ذلك من سعة آفاق مطالب القرآن ومقاصده العليّة في أوصافه وتشبيهاته وتمثيلاته ؟ ! وهل تناسبٌ
هامش
( 1 ) . الرحمان : 33 .
( 2 ) . العمدة : ج 2 ص 251 .
( 3 ) . شربات : موضع قرب مكّة . طحل الماء : فسد . والجذع : ساق النخلة . الغمر : الماء الكثير ، وغمره الماء غمراً : علاه وغطّاه .
( 4 ) . إبراهيم : 46 .
( 5 ) . الأحزاب : 10 .
( 6 ) . العمدة : ج 2 ص 251 .