قلت : ولعلّ صاحبنا هذا هو ناقف حنظل هواجسه ، فجعل يهذو عن أبيات لا عذوبة فيها ولا رَوعة ولا جمال ، وإنّما هي بيداء قاحلة لا غضاضة فيها ولا طراوة . والمعنى الذي أراده مفهوم عامّ يتصوّره كلّ عاميّ مسترسل .
وذكر ابن رشيق ، بشأن المبالغة : أنّ الناس مختلفون فيها ، فمنهم من يؤثرها ويقول بتفضيلها ويراها الغاية القصوى في الجودة ، كما قيل : أشعر الناس من استجيد كذبه « 1 » ومنهم من يعيبها وينكرها ويراها عيباً وهُجنةً في الكلام .
فمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذّاق : التقصّي ، وهو بلوغ الشاعر أو المتكلّم ما يمكن من وصف الشيء ، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي :
ونكرم جارنا ما دام فينا * ونتبعه الكرامة حيث كانا
ومن أغربها أيضاً ترادف الصفات ، وفي ذلك تهويلٌ مع صحّة لفظ لا تحيل معنىً ، كقول اللَّه تعالى :
« أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ »
« 2 » .
فأمّا الغلوّ فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة ، ويقع فيه الاختلاف ، من ذلك قول امرئ القيس :
كأنّ المدامَ وصوبَ الغمام * وريحَ الخزامى ونشرَ القُطُر
يُعَلُّ به بردُ أنيابها * إذا غرّد الطائر المستحر
فوصف فاها بهذه الصفة سحراً عند تغيّر الأفواه بعد النوم ، فكيف تظنّها في أوّل الليل ؟
فقد بالغ وأتى بالمستحيل ، فكان كذباً صريحاً وهجنةً في الكلام « 3 » .
هامش
( 1 ) . نسبه ابن رشيق إلى نابغة بني ذبيان .
( 2 ) . النور : 40 .
( 3 ) . العمدة لابن رشيق : ج 2 ص 55 - 56 .