فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ . وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ . وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ »
« 1 » .
فقد أهاجت هذه الآيات القارعة من غلواء المشركين وجعلتهم حيارى مندهشين يخافون سوء العاقبة القريبة ! فعمد أبو جهل - على عادته - يحاول تهدئة هياجهم المبرّح ، قائلًا : يا معشر قريش ، أو تدرون ما هي شجرة الزقّوم ، التي يخوّفكم بها محمّد ؟ ! إنّها عجوة يثرب بالزبد « 2 » .
فو اللَّه لئن استمكنّا منها لنتزقَمنّها تزقّماً « 3 » قالها مستهزئاً لهياجهم الثائر ! قيل : فأنزل اللَّه :
« إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ . يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . طَعامُ الْأَثِيمِ . كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . . . »
« 4 » .
قال ابن هشام : المهل كلّ شيء أذبته من نحاس أو رصاص وما أشبه « 5 » .
إنّ هذا ليس بكلام ، وإنّما هي صواعق مرعدة وقوارع دامغة ، تترى على أشلاء هامدة وبقايا أجساد متفتّتة ، لا تطيق تحمّلها حتّى وإن جهدت في المقاومة والعناد .
« فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ »
« 6 » .
وبذلك تتجسّد معجزة هذا الكلام وسحره في أسلوبه هذا الباهر وسلطانه هذا القاهر .
مفاخراتٌ ومساجلات
كانت سَنَةُ التسع سَنَةَ الوفود ، وذلك بعد أن فرغ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من غزاة تبوك ، فجعلت وفود العرب تترى عليه مستسلمة منخرطة مع الكفّة العليا التي أخضعت قريش ومحالفيها
هامش
( 1 ) . الصافّات : 62 - 73 .
( 2 ) . العجوة : ضرب من تمر الحجاز ، فيها لذّة .
( 3 ) . التزقّم : الابتلاع .
( 4 ) . الدخان : 40 - 50 .
( 5 ) . سيرة ابن هشام : ج 1 ص 388 .
( 6 ) . الحاقّة : 7 و 8 .