له تأويلًا صحيحاً ، يجب التوصّل إليه في ضوء تلكُم المعارف الأوَّلية ، ومن جدَّ في طلب شيء وكان من أهله تحصَّله في نهاية المطاف . أمّا الجاهل الأعمى فلا يعرف من الدين شيئاً سوى ظواهره ، من غير أن يميِّز بين محكماته والمتشابهات .
والخلاصة : أنَّ العلماء الصادقين - بما أنَّهم واقفون على قواعد الشريعة وعارفون بموازين الشرع ومقاييسه الدقيقة - إذ ما عرضت عليهم متشابكات الأمور هم قادرون على استنباط حقائقها وعلى أوجُه تخريجاتها الصحيحة .
ومن ثمَّ فإنَّهم يعلمون تأويل المتشابهات بفضل رسوخهم في فهم حقيقة الدين بعناية ربِّ العالمين
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »
« 1 » .
« وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً »
« 2 »
»
.
« إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ »
« 3 » ، وقد قال تعالى :
« وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً »
« 4 » . أوَ ليس العلم بحقائق الشريعة البيضاء من الماء الغدق ؟ إنّها شربة حياة العلم ، يفيضها الإله تعالى على من يشاء من عباده المؤمنين ، ويطلعهم على أسرار الملك والملكوت في العالمين .
وأوَّل الراسخين في العلم هو رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، قال الإمام محمَّد بن عليّ الباقر عليه السلام : أفضل الراسخين في العلم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، قد علم جميع ما أنزل اللَّه في القرآن من التنزيل والتأويل ، وما كان اللَّه لينزل عليه شيئاً لم يعلِّمه تأويله « 5 » .
ثمَّ باب مدينة علمه أمير المؤمنين عليه السلام ، والأوصياء من بعده صلوات اللَّه عليهم أجمعين .
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام : إنَّ اللَّه علَّم نبيَّه التنزيل والتأويل ، فعلّم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عليّاً وعلَّمنا ، واللَّه « 6 » .
وهكذا استمرّ بين أظهر المسلمين عبر العصور رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه ، فثبتوا
هامش
( 1 ) العنكبوت : 99 .
( 2 ) مريم : 76 .
( 3 ) فصّلت : 30 .
( 4 ) الجنّ : 16 .
( 5 ) بحارالأنوار : ج 92 ص 78 .
( 6 ) مرآة الأنوار : ص 15 .