فكانت تعبيراً عن معنىً محسوس ، ومن ثمَّ لم يقع فيها إشكال . فقوله تعالى :
« إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 1 » فيها مجاز الحذف ، أي إلى رحمة ربّها . كما في آية أخرى نظيرتها :
« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ »
« 2 » أي أهل القرية . غير أنّ الأولى صارت متشابهة لقصور أفهام العامَّة عن إدراك مقام الألوهية فحسبوا منها جواز رؤيته تعالى ، أمّا الآية الثانية فلم تتوقّف في فهم حقيقتها لأنّها في معنىً محسوس .
ونظير ذلك قوله تعالى :
« يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ »
« 3 » دعا جهل العامَّة بصفاته تعالى إلى فهم ساق له سبحانه ، في حين أنَّ استعارة الساق للشدَّة عند العرب كان أمراً دارجاً ، قال شاعرهم : « وقامت الحرب على ساق » « 4 » أي أخذت في شدّتها ، فهم عندما يستمعون إلى هذا الشعر لا يتردَّدون في فهم الحقيقة ، إذ يعلمون أن لا رجل للحرب ولا ساق . أمّا في الآية الكريمة فيذهب وهمهم إلى وجود رجل له تعالى وساق ، ومن ثمَّ ذهب بعضهم إلى عقيدة التجسيم - تعالى اللَّه عن ذلك - .
وقد ذهب سيِّدنا الطباطبائي قدس سره أيضاً إلى هذا الرأي ، وذكر أنَّ سبب وقوع التشابه في القرآن يعود إلى خضوع القرآن - في إلقاء معارفه العالية - لألفاظ وأساليب دارجة ، هي لم تكن موضوعة لسوى معانٍ محسوسة أو قريبة منها ، ومن ثمَّ لم تكن تفي بتمام المقصود ، فوقع التشابه فيها وخفي وجه المطلوب . نعم ، إلّاعلى أولئك الَّذين نفذت بصيرتهم وكانوا على مستوىً رفيع . قال تعالى :
« أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
- إلى قوله -
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ،
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ »
« 5 » . وهكذا القرآن تحتمله الأفهام على قدر استعداداتها ، وفيه من المتشابهات ما تزول بتعميق النظر وإجادة التفكير ،
هامش
( 1 ) القيامة : 23 .
( 2 ) يوسف : 82 .
( 3 ) القلم : 42 .
( 4 ) البرهان للزركشي : ج 2 ص 84 .
( 5 ) الرعد : 17 .