فإذا قيل : إنّ هناك موجوداً ليس بجسم ولا فيه شيء ممّا يرونه لازم الجسميَّة ارتفع عنهم التخيُّل وصار عندهم من قبيل المعدوم . ولا سيّما إذا قيل لهم : إنّه لا خارج العالم ولا داخله ولا فوق ولا أسفل . ومن ثمَّ لم يصرِّح الشرع بأنّه ليس بجسم وإنَّما اكتفى بقوله :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
« 1 » ، وقوله :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 2 »
.
قال : وأنت إذا تأمّلت الشرع وجدته - مع أنَّه قد ضرب للجمهور في هذه المعاني المثالات الَّتي لم يمكنهم تصوّرها إلّابذلك - قد نبَّه العلماء على تلك المعاني بحقائقها .
فيجب أن يوقف عند حدّ الشرع في نهج التعليم الَّذي خصَّ به صنفاً صنفاً من الناس ، وأن لا يخلط التعليمان فتفسد الحكمة الشريعة النبوية .
ولذلك قال صلى الله عليه وآله : إنّا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم « 3 » .
وقد انتهج الإمام الرازي نفس المنهج ، قال : والسبب الأقوى في هذا الباب أنّ القرآن كتابٌ مشتملٌ على دعوة الخواصّ والعوامّ جميعاً . وطبائع العوامّ تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أوَّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيّز ولا مشار إليه ظنّ أنّ هذا عدم ونفي فوقع التعطيل . فكان الأصلح أن يخاطَبوا بألفاظ دالَّة على بعض ما يناسب ما يتوهَّمونه ويتخيّلونه ، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدلّ على الحقِّ الصريح .
فالقسم الأوّل - وهو الذي يخاطَبون به في أوَّل الأمر - يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني - وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر - هي المحكمات « 4 » .
* * *
هامش
( 1 ) الشورى : 11 .
( 2 ) الأنعام : 103 .
( 3 ) الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد : ص 89 و 96 و 97 و 107 .
( 4 ) التفسير الكبير : ج 7 ص 172 ، وهو خامس وجوه ذكرها بهذا الصدد .