فيبقى القرآن كلّه محكماً مع الأبد بسلام « 1 » .
وهكذا قال الشيخ محمَّد عبده : إنَّ الأنبياء بُعثوا إلى جميع أصناف الناس من دانٍ وشريف ، وعالمٍ وجاهل ، وذكيٍّ وبليد . وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة يفهمها كلّ أحد ، ففيها من المعاني العالية ، والحِكم الدقيقة ما يفهمه الخاصَّة ، ولو بطريق الكناية والتعريض ، ويؤمر العامَّة بتفويض الأمر فيه إلى اللَّه ، والوقوف عند حدِّ المحكم ، فيكون لكلٍّ نصيبه على قدر استعداده « 2 » .
* * * وهناك عامل آخر كان ذا أثر في إيجاد التشابه في غالبية الآيات الكريمة ، إذ لم تكن متشابهة من ذي قبل ، وإنّما حدث التشابه فيها على أثر ظهور مذاهب جدلية ، بعد انقضاء القرن الأوّل الَّذي مضى بسلام ، إذ كانت العرب أوَّل عهدها بنزول القرآن تستذوقه بمذاويقها البدائية الساذجة ، حلواً بديعاً سهلًا بليغاً . أمّا وبعد ما احتبكت وشائج الجدل بين أرباب المذاهب الكلامية منذ مطلع القرن الثاني فقد راج التشبّث بظواهر آيات تحريفاً بمواضع الكلم ، ومن ثمَّ غمّها نوع من الإبهام والغموض الإصطناعيَّين ، وأخذت كلّ طائفة تتشبّث بما يروقها من آيات ، لغرض تأويلها إلى ما تدعم به مذاهبها .
ولا ريب أنّ القرآن حمّال ذو وجوه - كما قال أمير المؤمنين عليه السلام - لأنّه كما ذكرنا معتمد في أكثر تعابيره البلاغية على أنواع من المجاز والاستعارة والتشبيه ، فأكسبه ذلك خاصّية قبول الانعطاف في غالبية آياته الكريمة ، ومن ثمَّ نهى الإمام عليه السلام عن الاحتجاج بالقرآن تجاه أهل البدع والأهواء ، لأنَّهم يعمدون إلى تأويله بلا هوادة . قال عليه السلام لابن عبّاس - لمّا بعثه للاحتجاج على الخوارج - : لا تخاصمهم بالقرآن ، فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول
هامش
( 1 ) تفسير الميزان : ج 3 ص 58 - 62 بتلخيص واختزال .
( 2 ) تفسير المنار : ج 3 ص 170 وهو ثالث وجوه ذكرها بهذا الصدد .