من ذلك قراءة أبي بكر لمّا احتضر : « وجاءت سكرة الحق بالموت » « 1 » قال أبو بكر الأنباري : لمّا احتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة ، فلمّا دخلت عليه قالت : هذا كما قال الشاعر :
لعمرك ما يغني الثراء ولا الغنى * إذ حشرجت يوماً وضاق بها الصدرُ
فقال أبو بكر : هلّا قلت كما قال اللَّه : « وجاءت سكرة الحق بالموت ذلك ما كنت منه تحيد » « 2 » .
ومنذ ذلك العهد هبِّ أرباب التاريخ والمفسِّرون والمحدِّثون يرمون قراءته هذه بالشذوذ المخالف للرسم « 3 » . فلولا أنَّ للقرآن حقيقة ثابتة معهودة عند الجميع لما كان لهذا الغوغاء سبب واضح . وقرأ عمر بن الخطّاب ، « والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتّبعوهم بإحسان » قرأ برفع « الأنصار » وبإسقاط الواو من « والَّذين اتَّبعوهم » « 4 » لزعم زعمه ، فهبَّ زيد بن ثابت يجادله في قراءته هذه الخارجة عن متعاهد العامَّة ، فلم يتنازل عمر لكلام زيد حتّى حاكمه إلى ابيّ بن كعب ، فجعل ابيّ يستشهد بآيات أخرى حتّى قَبِل « 5 » .
وهكذا قراءة أبي حنيفة
« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »
« 6 » برفع اسم الجلالة ونصب العلماء « 7 » .
وأنت إذا لاحظت المصاحف الأثريَّة القديمة وقارنتها مع المصاحف الحاضرة المخطوطة والمطبوعة فإنَّك تجدها جميعاً متَّحدة في الأسلوب والخطّ وثبت الكلمات في بنيتها وصورتها وما إلى ذلك ، أمّا اختلاف الحركات فسوف نتعرَّض له .
كلّ ذلك دليل واضح على تلك الوحدة المتَّفق عليها عند المسلمين جميعاً في جميع
هامش
( 1 ) والقراءة المأثورة : « وجاءت سكرة الموت بالحقّ » سورة ق : 19 .
( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ص 12 - 13 ، في أشهر الروايتين .
( 3 ) راجع البرهان : ج 1 ص 335 ، والنشر : ج 1 ص 26 - 28 .
( 4 ) التوبة : 100 .
( 5 ) القرطبي : ج 8 ص 238 .
( 6 ) فاطر : 28 .
( 7 ) وتنسب إلى عمر بن عبد العزيز أيضاً . ( راجع تفسير القرطبي : ج 14 ص 344 ) .