أسلوب المصاحف الأولى بكثير ، وإلّا لم تعد حاجة إلى جمعها ، فكانت تنقَّط وتشكَّل فحسب ، أمّا إبعادها عن صفحة الوجود فلا سبب له سوى التغيير الجذري الحاصل فيما بعد .
نعم ، أصل إملاء الخطّ في صورته البدائية بقي محفوظاً نسبياً ، لم يمسّوه بيد إصلاح ، حسب ما قدَّمنا . وسجَّل جزئيّاته أرباب المصاحف كابن الأنباري وابن أبي داود وغيرهما ، وكانوا هم حلقة الاتّصال بيننا وبين المصاحف الأولى بعض الشيء ، الأمر الَّذي لا نستطيع الاستيثاق بكلّيته تماماً .
وأخيراً فإنَّ إضافة قيد « ولو احتمالًا » ذهبت بفائدة هذا الاشتراط ، حيث أكثر القراءات الشَّاذة بل والمرفوضة بالإجماع أيضاً يمكن توفيقها مع ظاهر الرسم ، حيث لانقط ولا تشكيل ولا ألفات ولا غير ذلك من علائم فارقة حسبما تقدَّم .
مثلًا قراءة ابن مقسم : « خلصوا نجبا » بالباء « 1 » يحتملها الخطّ وكذا قراءة ابن محيصن :
« فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ »
بفتح تاء المضارعة « 2 » ، وقراءة أبي حنيفة :
« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ
- بالرفع -
مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
- بالنَّصب - » « 3 » ، وقراءة الحسن : « لا ريبا فيه » بالنصب والتنوين « 4 » ، وقراءته :
« ظُلُماتٍ »
بسكون اللام حيثما وقع في القرآن « 5 » ، وقراءته :
« يَخْطَفُ »
بكسر الياء والخاء والطاء مع تشديدها « 6 » ، وقراءته :
« وَعَلَّمَ آدَمَ »
بالبناء للمجهول « 7 » ، وقراءة المطوعي : « يسمعون كلم الله » بلا ألف وكسر اللام « 8 » ، وقراءة ابن السميقع : « ننحّيك » بالحاء « 9 » ، وقراءة الحسن : « أو تنسها » بتاء الخطاب « 10 » ، وقراءة ابن
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن للرافعي : قانون التفسير ص 170 ، والآية هكذا : « خَلَصُوا نجيّاً » يوسف : 80 .
( 2 ) إتحاف فضلاء البشر : ص 231 ، تأويل مشكل القرآن : ص 61 ، والآية 150 من سورة الأعراف .
( 3 ) تفسير القرطبي : ج 14 ص 344 ، والآية 28 من سورة فاطر .
( 4 ) القراءات الشاذّة لعبد الفتاح : ص 23 ، وجاءت في عشرة موارد من القرآن هكذا : « لا ريب فيه » .
( 5 ) المصدر السابق : ص 24 ، والكلمة جاءت في ثلاثة وعشرين مورداً من القرآن .
( 6 ) المصدر السابق : ص 25 ، والآية 20 من سورة البقرة .
( 7 ) المصدر السابق : ص 26 ، والآية 31 من سورة البقرة .
( 8 ) المصدر السابق ، وفي الآية هكذا : « يسمعون كلامَ اللَّه » البقرة : 75 .
( 9 ) تفسير القرطبي : ج 8 ص 379 ، وجاءت في القرآن « نُنسها » يونس : 92 .
( 10 ) القراءات الشاذّة : ص 29 ، وجاءت في القرآن « ننجّيك » يونس : 92 .