ومن ذلك أيضاً مبالغتهم في إظهار الهمزة المفتوحة فتتبدَّل إلى العين ، وهي لغة دارجة في تميم وبني قيس بن عيلان - كما قال الفرّاء - وتسمّى « عنعنة تميم » فيقولون : « أشهد عنَّك رسول اللَّه » . قال ذو الرمّة :
أعن ترسَّمت من خرقاء منزلة * ماء الصَّبابة بن عينيك مسجوم
أراد : « أأن » . وذو الرمّة شاعر إسلامي بدويّ مجيد .
لكنَّها لغة مذمومة ، ومن ثمَّ قال أحمد بن فارس - بصدد الإشادة بلغة قريش - : ألا ترى أنَّك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم ، ولا عجر فية قيس ، ولا كشكشة أسد ، ولا كسكسة ربيعة ، ولا الكسر الَّذي تسمعه من أسد وقيس ، مثل : تعلمون ونعلم - بكسر التاء والنون - ومثل : شعير وبعير - بكسر الشين والباء - « 1 » .
6 - تحكيم الرأي والاجتهاد
وهذا أكبر العوامل تأثيراً في اختيارات القرّاء ، كان لكلِّ قارئ رأي يعتمده في القراءة الَّتي يختارها ، وكانوا - أحياناً - مستبدّين بآرائهم ولو خالفهم الجمهور أو أهل التحقيق .
وسيأتي حديث نبر الكسائي بالهمز في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وإنكار أهل المدينة عليه « 2 » .
كما أنكروا على حمزة كثيراً من قراءاته ، ولم يكن يعبأ بهم لقوَّة ما كان يراه من حجج « 3 » .
وهكذا استبدَّ ابن شنبوذ بما يراه صحيحاً وإن كان على خلاف المرسوم العثماني ، فعُقد لاستتابته مجلس بحضرة الوزير ابن مقلة ، فأغلظ في الكلام عليهم أوّلًا ، حتّى أمر الوزير بضربه سياطاً ألجأته إلى إعلان توبته مقهوراً عليه « 4 » .
وانعقد مجلس آخر لأبي بكر ابن مقسم الَّذي كان يختار من القراءات ما بدا له أصحّ في العربية ولو خالف النقل أو رسم المصحف « 5 » .
هامش
( 1 ) الصاحبي : ص 53 . والوجيز ص 101 .
( 2 ) نقلًا عن نهاية ابن الأثير : ج 5 ص 7 .
( 3 ) تهذيب التهذيب : ج 3 ص 27 .
( 4 ) طبقات القرّاء : ج 2 ص 52 .
( 5 ) الإتقان : ج 1 ص 77 . والطبقات : ج 2 ص 54 .