إلى القوم فرفضوه . قال : وما يمنعك يرحمك اللَّه أن تُخرج كتاب اللَّه إلى الناس ؟ ! فكفَّ عليه السلام عن الجواب أوّلًا ، فكرَّر طلحة السؤال فقال : لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتك من أمر القرآن أن لاتظهره للناس ؟
قال عليه السلام : يا طلحة عمداً كففت على جوابك . فأخبرني عمّا كتبه القوم أقرآن كلّه أم فيه ما ليس بقرآن ؟ قال طلحة : بل قرآن كلّه . قال عليه السلام : إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنَّة . . . قال طلحة : حسبي أمّا إذا كان قرآناً فحسبي « 1 » .
هكذا حرص الإمام وأوصياؤه عليهم السلام على حفظ وحدة الامَّة ، فلا تختلف بعد اجتماعها على ما هو قرآن كلُّه .
جمع زيد بن ثابت
كان ذاك الرفض القاسي لمصحف علي عليه السلام يستدعي التفكير في القيام بمهمَّة جمع القرآن مهما كلّف الأمر ، بعد أن أحسّ الناس بضرورة جمع القرآن في مكان ، ولا سيَّما كانت وصيَّة نبيِّهم صلى الله عليه وآله بجمعه لئلّا يضيع ، كما ضيَّعت اليهود توراتهم « 2 » .
هذا ، والقرآن هو المرجع الأوَّل للتشريع الإسلامي ، والأساس الركين لبناية صرح الحياة الاجتماعية في كافَّة شؤونها المختلفة آنذاك ، ولا يصحّ أن يبقى مفرَّقاً على العسب واللخاف أو في صدور الرجال . ولا سيَّما وقد استحرّ القتل بكثير من حامليه ، ويوشك أن يذهب القرآن بذهاب حامليه ، فقد قتل منهم سبعون في واقعة اليمامة ، وفي رواية :
أربعمائة « 3 » .
وهذه الفكرة أبداها عمر بن الخطّاب ، واقترح على أبي بكر - وهو وليّ المسلمين يوم ذاك - أن ينتدب لذلك من تتوفّر فيه شرائط القيام بهذه المهمَّة الخطيرة ، فوقع اختيارهم على
هامش
( 1 ) سليم بن قيس : ص 110 ، بحارالأنوار : ج 92 ص 42 .
( 2 ) تفسير القمي : ص 745 .
( 3 ) فتح الباري : ج 7 ص 447 . وفي تاريخ الطبري : ج 3 ص 296 : قتل من المهاجرين والأنصار من قصبة المدينة يومئذٍ ثلاثمائة وستّون ومن المهاجرين من غير أهل المدينة ثلاثمائة ومن التابعين ثلاثمائة . وفي كتاب أبي بكر إلى خالد ص 300 : دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفَّف بعد .