وربّما كان الوقوف على الحادثة الأُولى والمناسبة الأُولى التي استدعت نزولها من خير الوسائل لكشف الإبهام عن وجه الآية ، إذ فيها الإشارة لا محالة إلى تلك الواقعة بالذات .
قال الواحدي : لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصّتها وبيان سبب نزولها .
وجعل السيوطي من فوائد معرفة أسباب النزول الوقوف على المعنى وإزاحة الإشكال عن وجه الآية ، الأمر الذي لا محيد عنه بعد أن كانت الآية مرتبطة بالحادث المستدعي للنزول وناظرة إليه .
قال القشيري : بيان سبب النزول طريق قويّ في فهم معاني الكتاب العزيز . . . « 1 » . ولذلك شواهد في التنزيل :
قال تعالى :
« إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما »
« 2 »
.
فقد أشكل على بعض المفسّرين هذا التعبير
« فَلا جُناحَ عَلَيْهِ . . . »
لأنّه لرفع الإثم وليس للإلزام ، فالآية تكون دالّة على جواز السعي بين الصفا والمروة لا الوجوب ، مع أنّه إجماعي .
لكن إذا ما عرفنا سبب نزولها لم يبق مجال لهذا الإشكال .
وذلك أنّ مراسيم الحجّ والاعتمار كانت معهودة منذ العهد الجاهلي ، غير أنّ العرب كانوا قد لوّثوا من هذه المشاعر ببدع أبدعوها ، من ذلك أنّهم كانوا قد وضعوا على الصفا صنماً على صورة رجل يقال له « أساف » ، وعلى المروة صنماً آخر على صورة امرأة يقال لها « نائلة » ، زعموا أنّهما زنيا في الكعبة فمسخهما اللَّه حجرين ، فوضعا على الجبلين ليعتبر بهما . فلمّا طالت المدّة عبدتهما العرب جهلًا وسفهاً . فكانوا إذا طافوا بينهما مسحوهما تبرّكاً .
ثمّ لمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام تحرّج المسلمون عن الطواف بينهما ، زعماً أنّه كان من بدع الجاهلية تقرّباً إلى الصنمين ، فنزلت الآية لترفع هذه الشبهة عن أذهان المسلمين « 3 » .
هامش
( 1 ) البرهان : ج 1 ص 22 ، الإتقان : ج 1 ص 82 .
( 2 ) البقرة : 158 .
( 3 ) راجع أسباب النزول للواحدي : ص 25 .