وكقوله تعالى في سورة الواقعة :
« أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ »
« 1 » إشارة إلى مسألة « الاستطاعة » وأن لا استقلال للعباد فيما يتصرّفون من أفعالهم الاختياريّة .
والأمثلة على ذلك كثيرة ومنبثّة في القرآن الكريم ، غير خفيّة على الناقد البصير .
* * * وجهة رابعة : قد سلك القرآن في تعاليمه وبرامجه الناجحة مسلكا ، ينتفع به الجمهور ، ويخضع له العلماء ، ومن ثَمّ جاء بتعابير يفهمها كلّ من الصنفين : الجمهور يأخذون بظاهر الكلام ويتصوّرون له من المعاني ما ألفت بها أذهانهم في الأمور المحسوسة ، ويحسبون فيما وراء محسوسهم ما يشاكل المحسوس ، ويقتنعون بذلك ، ويستريح بالهم .
والعلماء يعرفون حقيقة الحال التي جاءت في طيّ المقال ، ويأخذون بلطائف الإشارات وظرائف الكنايات التي مثّلت لهم الحقيقة في واقع الأمر ، بما يخضعهم له ويطمئنّون إليه .
خذ لذلك مثلًا قوله تعالى - تعبيرا عن ذاته المقدّسة في عالم الكون - :
« اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . »
« 2 » لمّا كان أرفع الموجودات في الحسّ هو النور ، ضرب اللّه به المثال ، وبهذا النحو من التصوّر أمكن للجمهور أن يفهموا من الذات المقدّسة موجودا أجلى وأظهر فيما وراء الحسّ ، يشبه أن يكون مثل النور في المحسوس شبها ما ، ويقتنعون بذلك .
أمّا العلماء فيرون من هذا التشبيه أقرب ما يكون تصوّرا من ذاته المقدّسة ، فليس في عالم المحسوس ما يكون على مثاله ، وفي أخصّ أوصافه تعالى كالنور الذي هو ظاهر في نفسه ، ومظهر لغيره ، وليس شيء في عالم المحسوس ( المبصَرات ) إلّا ويكون ظهوره بالنور ، أمّا النور فهو ظاهر بنفسه وليس بغيره .
هامش
( 1 ) - . الواقعة 64 : 56 .
( 2 ) - . النور 35 : 24 .