أوّلًا : عدم منافاة بين وجوب التقصير في السفر ، وبين قوله تعالى في الآية الكريمة :
« فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ »
، نظير نفي الجُناح الوارد في السعي بين الصفا والمروة ، فإنّه واجب بلا شكّ . « 1 »
وإنّما جاء هذا التعبير لدفع توهّم الحظر ؛ حيث شعر المسلمون بأنّ التكليف هو التمام ، كما في سائر العبادات ، لا تختلف سفرا وحضرا ، سوى الصوم والصلاة ؛ فدفعا لهذا الوهم نزلت الآية الكريمة .
ثانيا : إنّ الآية دلّت على مشروعيّة القصر في السفر ، وقد فعله رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وفعله المسلمون ، وكذلك الأئمّة بعده ، ولم يُتمّ أحد منهم الصلاة في السفر . فمقتضى قواعد علم الأصول ، عدم جواز الإتمام ؛ لأنّ الصلاة عبادة ، وهي توقيفيّة ، ولم يُعلم مشروعيّة التمام في السفر ، لا من الآية ولا من فعل الرسول وصحابته الأخيار ، فمقتضى القاعدة عدم الجواز . لأنّ الشكّ دائر بين التعيين والتخيير ، والشكّ في التكليف في مقام الامتثال ، يقتضي الأخذ بالاحتياط ، الذي هو القصر في الصلاة ؛ إذ يشكّ في مشروعيّة ما زاد على الركعتين ، ولا تصحّ عبادة مع الشكّ في مشروعيّتها .
ثالثا : إنّ الإمام عليه السلام لم يتعرّض للخوف الذي جاء بظاهره شرطا في الآية ، فكأنّه عليه السلام فهم أنّه موضوع آخر مستقلّ عن موضوع السفر ، وليس قيدا فيه . فالخوف بذاته سبب مجوّز للتقصير ، كما أنّ السفر أيضا سبب ، ولا ربط لأحدهما بالآخر .
فالآية وإن كانت ظاهرة في القيد ، وأنّ أحدهما قيد للآخر ، لكنّ فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسائر الأئمّة ، دلّنا على هذا التفصيل ، وأنّ كلًاّ منهما موضوع مستقلّ لجواز القصر . وهكذا فهم الإمام عليه السلام ، وفَهْمُه حجّة علينا بالإضافة إلى عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : آية الخمس
قال اللّه تبارك وتعالى :
« وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي
هامش
( 1 ) - . راجع ما فصّلناه في الجزء الأول ، ص 256 .