تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
الباء وبين إسقاطها ، في العرف واللغة . ثمّ أيّد ذلك بما رواه عن إبراهيم « 1 » ، قال : إذا مسح ببعض الرأس أجزأه ، قال : ولو كانت « امسحوا رؤسكم » كان مسح الرأس كلّه . قال : فأخبر إبراهيم أنّ « الباء » للتبعيض ، وقد كان عند أهل اللغة مقبول القول فيها » « 2 » . قال الرازيّ : حجّة الشافعيّ أنّه لو قال : مسحت المنديل ، فهذا لا يصدق إلّا عند مسحه بالكلّيّة ، أمّا لو قال : مسحت يدي بالمنديل ، فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل « 3 » . وهذا الذي ذكره الشافعىّ ، وإن كان يتوافق - في ظاهره - مع نظرة الإمام الصادق عليه السلام ، ولعلّه ناظر إليه ، لكنّه يتخالف معه في مواضع : أحدها : زعمه أنّ « الباء » استعملت - هنا - بمعنى التبعيض نظير « من » التبعيضيّة ، في حين أنّه لم تأت « الباء » في اللغة للتبعيض ، ولا شاهد عليه ألبتّة . واستناده إلى كلام إبراهيم النخعيّ غير وجيه ؛ لأنّه لم يصرّح بذلك ، بل إنّ كلامه ككلام الإمام الصادق يهدف إلى أنّ موضع « الباء » هنا أفاد إجزاء مسح بعض الرأس - بالبيان الذي تقدّم - وهذا يعني أنّ « الباء » - في موضعها الخاصّ هنا - تفيد التبعيض في مسح الرأس وهذا غير كونها مستعملة في معنى التبعيض ، كما عرفت . الثاني : أنّ التمثيل بالمنديل غير صحيح ؛ لأنّ المنديل ممّا يُمسَح به وليس ممسوحا ؛ إذ لا يقال - في العرف واللغة - : مسحت المنديل ، فقولنا : مسحت يدي بالمنديل ، يفيد كون اليد هي الممسوحة لا المنديل . الثالث : أنّ الشافعيّ لم يشترط أن يكون المسح باليد ، قال : فإذا رشّ الماء على جزء من رأسه أجزأه « 4 » . ولا ندري كيف يكون الرشّ مسحا ؟ ! ولعلّه أخذ بالملاك قياسا « 5 » ،
هامش
( 1 ) - . هو إبراهيم بن يزيد النخعيّ الكوفيّ الفقيه ، كان مفتي أهل الكوفة ، قال ابن حجر : كان رجلًا صالحا فقيها متوقّيا قليل التكلّف ، مات سنة 96 ه . وهو مختف من الحجّاج ( تهذيب التهذيب ، ج 1 ، ص 177 ) . ( 2 ) - . أحكام القرآن ، ج 2 ، ص 341 . ( 3 ) - . التفسير الكبير ، ج 11 ، ص 160 . ( 4 ) - . راجع : الفقه على المذاهب الأربعة للجزيريّ ، ج 1 ، ص 60 - 61 . ( 5 ) - . زعما بأنّ المطلوب هو بلّ بعض الرأس بالماء بأيّ سبب كان ، حتّى وإن لم يصدق عليه المسح ! وهو من القياس المستنبط ، وهو غير حجّة عندنا بعد أن كان خروجا عن لفظ النصّ الوارد في الشريعة .