الوقوف على تلك المناسبة ، لما أمكن فهم مرامي الآية بالذات ، فلا بدّ لدارس معاني القرآن أن يراعي قبل كلّ شيء شأن نزول كلّ آية آية ، ويهتمّ بأسباب نزولها . هذا إذا كان لنزولها شأن خاصّ ، فلا بدّ من النظر والفحص .
وهكذا اهتمّ حِبر الامّة بهذا الجانب ، واعتمد كثيرا لفهم معاني القرآن على معرفة أسباب نزولها ، وكان يسأل ويستقصي عن الأسباب والأشخاص الذين نزل فيهم قرآن وسائر ما يمسّ شأن النزول ، وهذا من امتيازه الخاصّ الموجب لبراعته في التفسير . وقد مرّ حديث إتيانه أبواب الصحابة يسألهم الحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم « 1 » . كان حريصا على طلب العلم ومنهوما لا يشبع :
من ذلك ما رواه جماعة كبيرة من أصحاب الحديث ، بإسنادهم إلى ابن عبّاس ، قال :
لم أزل حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اللّتين قال اللّه تعالى بشأنهما
« إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما . . . »
« 2 » حتّى حجَّ عمر وحججت معه ، فلمّا كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالأداوة ، فتبرّز ثمّ أتى ، فصببت على يديه فتوضّأ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اللتان قال اللّه :
« إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما »
؟ فقال : وا عجبا لك يا ابن عبّاس ! هما : عائشة وحفصة « 3 » .
وفي تفسير القرطبيّ ، قال ابن عبّاس : مكثت سنتين أُريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما يمنعني إلّا مهابته ، فسألته ، فقال : هما حفصة وعائشة « 4 » .
ولقد بلغ في ذلك الغاية ، حتّى لنجد اسمه يدور كثيرا في أقدم مرجع بين أيدينا عن سبب النزول ، وهو سيرة ابن إسحاق التي جاء تلخيصها في سيرة ابن هشام .
قال : وكان ابن عبّاس يقول : فيما بلغني نزل في النضر بن حارث ثماني آيات من القرآن : قول اللّه عزّ وجلّ :
« إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ »
« 5 » ، وكلّ ما ذكر فيه من
هامش
( 1 ) - . الإصابة ، ج 2 ، ص 331 - 332 .
( 2 ) - . التحريم 4 : 66 .
( 3 ) - . الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 242 .
( 4 ) - . تفسير القرطبيّ ، ج 1 ، ص 26 .
( 5 ) - . القلم 15 : 68 .