مطلقاته وسائر الصوارف الكلاميّة المعروفة . وليس لأيّ مفسّر أن يأخذ بظاهر آية ما لم يفحص عن صوارفها وسائر بيانات القرآن التي جاءت في غير آية ، ولا سيّما والقرآن قد يكرّر من بيان حكم أو حادثة ويختلف بيانه حسب الموارد ، ومن ثَمّ يصلح كلّ واحد دليلًا وكاشفا لما أُبهم في مكان آخر .
وهكذا نرى مفسّرنا العظيم ، عبد اللّه بن عبّاس ، يجري على هذا المنوال ، وهو أمتن المجاري لفهم معاني القرآن ، ومقدَّم على سائر الدلائل اللفظيّة والمعنويّة . فلم يغفل النظر إلى القرآن الكريم نفسه ، في توضيح كثير من الآيات التي خفي المراد منها في موضع ، ثمّ وردت بشيء من التوضيح في موضع آخر . شأنه في ذلك شأن سائر المفسّرين الأوائل ، الذين ساروا على هدى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
فمن هذا القبيل ما رواه السيوطيّ بأسانيده إلى ابن عبّاس ، في قوله تعالى :
« قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ . . . »
« 1 » قال : كنتم أمواتا قبل أن يخلقكم ؛ فهذه ميتة ، ثمّ أحياكم ؛ فهذه حياة ، ثمّ يميتكم فترجعون إلى القبور ؛ فهذه ميتة أخرى ، ثمّ يبعثكم يوم القيامة ؛ فهذه حياة . فهما ميتتان وحياتان ، فهو كقوله تعالى :
« كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
« 2 » ، وهكذا أخرج عن ابن مسعود وأبي مالك وقتادة أيضا « 3 » .
* * *
ثانيا : رعايته لأسباب النزول
ولأسباب النزول دورها الخطير في فهم معاني القرآن ؛ حيث الآيات والسور نزلت نجوما ، وفي فترات وشؤون يختلف بعضها عن بعض . فإذ كانت الآية تنزل لمناسبة خاصّة ولعلاج حادثة وقعت لوقتها ، فإنّها حينذاك ترتبط معها ارتباطا وثيقا . ولولا
هامش
( 1 ) - . غافر 11 : 40 .
( 2 ) - . البقرة 28 : 2 .
( 3 ) - . الدرّ المنثور ، ج 5 ، ص 347 ؛ راجع : تفسير الطبريّ ، ج 24 ، ص 31 .