وجانب آخر أهمّ : احتواء القرآن على معان دقيقة ومفاهيم رقيقة ، تنبؤك عن كمون الخليقة وأسرار الوجود ، هي تعاليم وحِكَم راقية جاء بها القرآن ، وكانت فوق مستوى البشريّة آنذاك ؛ ليقوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بتبيينها وشرح تفاصيلها ، وكذا صحابته العلماء
« هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
« 1 » .
وذلك في مثل صفاته تعالى - الجلال والجمال - ، ومعرفة وجود الإنسان ، وسرّ خلقته ، ومقدار تصرّفه في الحياة ، والهدف من الخلق والإيجاد ، ومسائل المبدإ والمعاد .
كلّ ذلك جاء في القرآن في إشارات عابرة ، وفي ألفاظ وتعابير كنائيّة ، واستعارة ومجاز ؛ فكان حلّها والكشف عن معانيها بحاجة إلى فقه ودراسة وتدبّر ، وإمعان نظر وتفكير .
وأيضا فإنّ في القرآن إلماعات إلى حوادث غابرة وأمم خالية ، جاء ذكرها لأجل العظة والاعتبار ، إلى جنب عادات جاهليّة كانت معاصرة ، عارضها وشدّد النكير عليها ، في مثل مسألة النسيء ، وأنّها زيادة في الكفر « 2 » ، ونهيه عن دخول البيوت من ظهورها « 3 » ، ونحو ذلك ، فاستنكرها عليهم وعنّفهم عليها حتّى أبادها ، وقطعها من جذورها . فلم يبق منها سوى إشارات عابرة ، لولا الوقوف عليها ، لما أمكن فهم معاني تلكم الآيات .
كما تعرّض لُامور أتى عليها من وجه كلّيّها وأهمل جانب تعيينها ، فجاءت مجملة هي بحاجة إلى شرح وبيان ، في مثل الدابّة التي تخرج من الأرض فتكلّم الناس « 4 » ، والبرهان الذي عصم يوسف من ارتكاب الإثم « 5 » .
هذا مضافا إلى غرائب اللغة التي جاءت في القرآن على أفصحها وأبلغها ، وإن كان صعبا فهمها على عامّة الناس ، لولا الشرح والبيان .
هامش
( 1 ) - . الجمعة 2 : 62 .
( 2 ) - . التوبة 37 : 9 .
( 3 ) - . البقرة 189 : 2 .
( 4 ) - . النمل 82 : 27 .
( 5 ) - . يوسف 24 : 12 .