زد على ذلك أنّ جبل « نصر » الذي ذكر في قصّة الطوفان في الكتابات المسمارية يصحّ أيضا أن يحدّد مكانه في جبال « جورديين » بالمدلول الواسع لهذا الاسم . وقد أخذ النصارى بالرواية البابلية اليهودية القديمة ، وعرفها العرب منهم عندما وصلوا بفتوحاتهم إلى إقليم « يهتان » ( بلاد أرمينية ) . وأطلق العرب اسم الجودي - الوارد في القرآن - في غير تثبّتٍ على جبل « قردو » المعروفة بذلك منذ أقدم الزمن .
وما زالت المنطقة المحيطة بجبل الجودي إلى يومنا هذا حافلة - كالمنطقة المحيطة بجبل آراراط - بالأساطير والذكريات المتّصلة بقصّة الطوفان وحياة نوح بعد إذ غادر السفينة . « 1 »
* * * وهكذا نرى الجغرافيّ الكبير ياقوت الحموي ( ت 626 ) متأثّرا بتلكمُ الأساطير المسطّرة ، يقول : الجوديّ جبل مُطلٌّ على جزيرة « ابن عمر » في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل . عليه استوت سفينة نوح عليه السلام .
ثُمَّ يذكر نصّ التوراة - مستشهدا به - : « . . . واستقرّت السفينة على الجودي في شهر كذا ويوم كذا . . . ويقول : هذا تعريب التوراة حرفا حرفا » . « 2 »
ما ندري ماذا كان الأصل حتى ترجمه إلى ذلك . ولعلّه لُقّن بذلك - وهو روميّ الأصل - من بعض الأرامنة المسيحيّين . وهكذا لقّن أبناء الإسلام بأوهام جاءتهم من قبل أهل الكتاب !
هذا ، ومن ورائهم زرافات من المفسّرين سواء في الغابر والحاضر - مع الأسف - من غير تريّث ولاتحقيق ، وكم له من نظائر في مواضع من التفسير ، أشهرها وأشنعها تفسيرهم ذا القرنين بالإسكندر الكبير !
هامش
( 1 ) - راجع : دائرة المعارف الإسلامية المترجمة إلى العربية ، ج 7 ، ص 161 - 163 الجودي .
( 2 ) - معجم البلدان ، ج 2 ، ص 179 .