وتشيع في الجوّ رائحة الإسرائيليات قويّة .
وتعقّبه بقوله : أمّا نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتطّ حول النصّ
« احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ »
ممّا يملك نُوح أن يُمسك وأن يستصحب من الأحياء ، وما وراء ذلك خبط عشواء . « 1 »
وهذا هو الرأي الصحيح ، فقد رخّص اللّه لنوح أن يحمل معه ما يملكه من الحيوانات الأهلية بقدر ما يحتاج إليه من زادٍ وراحلة ، ولا يثقل حمله حتّى تعود الأحوال إلى أوضاعها الأولى . وأمّا سائر الأحياء الأهلية والوحش فتتشرّد لوجهها ولا تبقى في المنطقة المصابة بالحادث ، كما هو مألوف . هذا ما يدلّ عليه نصّ القرآن لا أكثر .
والزوجان - في الآية - يراد به المتعدّد في تشاكل ، أي من كلّ جنسٍ عددا يفي لتأمين الحاجة بها .
وهذا نظير قوله تعالى :
« وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها
( في الأرض )
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ »
« 2 » أي من كلّ نوعٍ في أشكالٍ وألوانٍ متقاربةٍ ومتنوّعة ، كالتفّاحة في أشكالها وألوانها ، وهكذا الليمون والرّمان وسائر الفواكه من كلّ نوعٍ فيها أزواج متشابهة . كما قال تعالى :
« وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ »
« 3 » أي متشاكلًا وغير متشاكل .
وجاء في وصف فواكه الجنّة :
« فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ »
« 4 » أي صنفان متشاكلان .
والمراد المتعدّد في أشكالٍ وأصناف ، كما قال :
« وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً »
« 5 » أي متشاكلًا .
ومن الواضح أنّ الثمرة - وهي الفاكهة - ليس فيها ذكر ولا أنثى ولا تزاوج لقاح ، وإنّما ذاك في بذور الأزهار لا في الفواكه والثمار .
على أنّها لغة دارجة : أن يراد بالمثنّى الشياع في الجنس لا الاثنان عددا . قال أبو علي : الزوجان في قوله :
« مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ »
يراد بهما الشياع وليس يراد بهما عدد الاثنين ،
هامش
( 1 ) - في ظلال القرآن ، ج 12 ، ص 62 ، مجلّد 4 ، ص 548 .
( 2 ) - الرعد 3 : 13 .
( 3 ) - الأنعام 141 : 6 .
( 4 ) - الرحمان 52 : 55 .
( 5 ) - البقرة 25 : 2 .