سمات هذا الربّ والتي جعلته ربّا للعالمين ، ولم يسأله عن ذاته المقدّسة وعن اسمه الخاصّ . وإلّا لكان حقّ الجواب أن يقول موسى عليه السلام : اللّه ، بل أجابه بقوله :
« رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
. . .
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
. . .
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما »
« 1 » وفيه تعريضٌ بفرعون ، حيث ادّعى الربوبيّة ، لأنّ له ملك مصر ، وأنّ أنهارها تجري من تحته . « 2 » فهو يملك - فيما زعم - رقعةً من الأرض وليست كلّها وفي مقطع من الزمان لافي كلّ الأزمان ، ولُاناسٍ معدودين وليس كلّ الخلائق من الأوّلين والآخرين .
والخلاصة : إنّ التعبير ب - « ما » عن الشيء قد يكون تعريفا بعين ذاته ، فهذا مايغلب استعماله في غير ذوي العقول . وقد يكون تعريفا بصفاته وعناوينه التي كوّنت شخصيّته الخاصّة ، فهذا يعمّ ويغلب استعماله في العقلاء أيضا . وقد جاءت تعابير القرآن على هذا النمط ، وجاريا على أساليب كلام العرب الفصيح .
وعليه ، فكان قوله تعالى :
« فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ »
« 3 » تعبيرا عن الطيّبات من النساء ، أي فانكحوا الطيّب من النساء . قال مكّيّ بن أبي طالب : أي فانكحوا الطيّب أي الحلال . و « ما » تقع لما لا يعقل ، ولنعوت مايعقل ، ولذلك وقعت هنا لنعت مايعقل . « 4 »
وكذا قال - في قوله تعالى :
« وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ »
« 5 » - : وقعت « ما » لمن يعقل ، لأنّ المراد بها صفة من يعقل . قال : و « ما » يسأل بها عمّا لا يعقل وعن صفات من يعقل . « 6 »
قال الفرّاء :
« ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ »
يريد : أو ملك أيمانكم . « 7 »
فإنّه عنى الطيّبات ، ثم بيّنه بقوله : « من النساء » . كما أنّه عنى المملوك ثم بيّنه بالفتيات وكذلك قوله
« فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ . . . »
« 8 » فإنّه عنى جانب الاستمتاع ، ثمّ جاء البيان بالنساء .
هامش
( 1 ) - الشعراء 24 : 26 - 28 .
( 2 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ ». الزخرف 51 : 43 .
( 3 ) - النساء 3 : 4 .
( 4 ) - مشكل إعراب القرآن لمكّي بن أبي طالب ، ج 1 ، ص 189 .
( 5 ) - النساء 36 : 4 .
( 6 ) - المصدر : ص 195 .
( 7 ) - معاني القرآن ، ج 1 ، ص 254 .
( 8 ) - النساء 24 : 4 .