فقد شبّهها بالشمس تشبيها صريحا من غير أن يطوي ذكر المشبّه به ، ومع ذلك فقد تناسى التشبيه ، وبنى على المشبّه ما هو من شأن المشبّه به . « 1 »
وقوله تعالى :
« وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا »
« 2 » أي خضتم في الكفر والعناد كالذي خاضوه .
فالعائد محذوف . وهذا من تشبيه الخوض بالخوض ، لاالخائضين بالخائضين . وهو من حُسن التشبيه حيث وقع بين الفعلين لاالفاعلَيْن .
وقوله تعالى :
« وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » .
« 3 » المراد به الجنس وهو عامّ في مفهومه يشمل الواحد والكثير ، وبما أنّ الآية ذات مصاديق كثيرة لوحظ المعنى ليعمّ الحكم من غبرٍ ومن حضرٍ ومَن يأتي من بعد .
وقوله تعالى :
« وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
. . .
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ . . . » .
« 4 » المراد به الجنس أيضا . وهو نوع من الالتفات اللطيف ، حيث يبدأ الكلام بمفرد ، لكنّ المتكلّم - حيث أراد الجنس لاالفرد الخاصّ - ينحو بكلامه إلى جانب العموم وإرادة الشمول .
وهنا بشأن هذه الآية حكاية ظريفة : زعمت بنو اميّة وبنو مروان أنّها نزلت بشأن عبد الرحمان بن أبي بكر . وحينما كتب معاوية إلى عامله بالمدينة مروان بن الحكم بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمان : لقد جئتم بها هرقليّة ، تبايعون لأبنائكم ! فقال مروان :
أيّها الناس ، إنّ هذا هو الذي قال اللّه فيه
« وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما . . . »
فسمعت عائشة ، فغضبت وقالت : واللّه ما هو به ، ولو شئت أن اسمّيه لسمّيته . ولكنّ اللّه لعن أباك وأنت في صلبه ، فأنت فَضَضٌ من لعنة اللّه . « 5 »
هامش
( 1 ) - المطوّل ، ص 379 .
( 2 ) - التوبة 69 : 9 .
( 3 ) - الزُمر 33 : 39 .
( 4 ) - الأحقاف 17 : 46 و 18 .
( 5 ) - فضض : ما انفضّ من الشيء . قال الجوهري : وفي الحديث : أنت فضض من لعنة اللّه ، يعني : ما انفضّ من نطفة الرجل وتردّد في صلبه . والحديث أخرجه النسائي وابن أبيخيثمة والحاكم وصحّحه ابن مردويه . وأخرج أصله البخاري في صحيحه . راجع : الكشّاف ، ج 4 ، ص 304 والهامش ، ص 303 . وراجع أيضا : الدرّ المنثور ، ج 7 ، ص 444 .