وقال - في تفسير سورة الكافرون - : فإن قلت : فلم جاء على « ما » دون « مَنْ » ؟ قلت :
لأنّ المراد الصفة ، كأنّه قال : لا أعبد الباطل ، ولاتعبدون الحقّ . « 1 »
وقال الطبرسي - في قوله تعالى :
« وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ »
« 2 » - : إنّه يجوز أن يكون ذهب به مذهب الجنس ، كما يقول القائل : لا تأخذ ما أخذ أبوك مِنَ الإماء . فيذهب مذهب الجنس ثم يفسّره ب - « مِن » . « 3 »
وأقول - توضيحا لذلك - : إنّ « ما » قد يراد به الذات ، فذلك الغالب أن يقع على غير ذوي العقول . ولكن قد يقع على ذوي العقول مرادا به الوصف لاالذات ، فذلك هو الشائع واستعمله القرآن . ومنه السؤال عن الماهية أيضا ، يُوتى بما دون « مَنْ » وإن كان سؤالًا عن ماهية عاقل فيقال : زيدٌ ما هو ، وماهذا الرجل . فإنّ السؤال عن شخصيّته وعن تكوينه الذاتي في أوصافه الخاصّة ، وليس المراد السؤال عن معرفة شخصه ، فلا يصحّ أن يقال في الجواب : إنّه ابن فلان أو من آل فلان . بل ينبغي أن يُجاب بما يعرّف شخصيّته الذاتية وأن يؤتى بأوصافٍ تخصّه .
نعم ، لو أريد السؤال عن شخصه كان يجب أن يقال : مَن هو ، فيجاب بأنّه ابن فلان أو من آل فلان .
وفي الحديث عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال : دخل رسول اللّه صلى الله عليه وآله المسجد ، فإذا جماعة قد أطافوا برجل . فقال : ما هذا ؟ فقيل : علّامة . قال : وما العلّامة ؟ قالوا : أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيّام الجاهلية وبالأشعار والعربية .
فقال النبيّ صلى الله عليه وآله : ذاك علمٌ لايضرّ من جَهِلَه ، ولا ينفع من عَلِمَه . « 4 »
ومنه قوله تعالى - حكايةً عن فرعون - :
« وَما رَبُّ الْعالَمِينَ » .
« 5 » وذلك لمّا دعاه موسى عليه السلام إلى شريعته وقال :
« إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ » .
« 6 » عاد عليه فرعون وسأله عن
هامش
( 1 ) - المصدر : ص 809 .
( 2 ) - النساء 22 : 4 .
( 3 ) - مجمع البيان ، ج 3 ، ص 27 .
( 4 ) - بحارالأنوار ، ج 1 ، ص 211 عن أمالي الصدوق .
( 5 ) - الشعراء 23 : 26 .
( 6 ) - الشعراء 16 : 26 .