هائلة يملكها الإنسان في جبلّته الأولى والتي أهّلته للاستيلاء على طاقات كامنة في طبيعة الوجود وتسخيرها حيث يشاء .
إنّها القدرة على الإرادة والتصميم ، القدرة على التفكير والتدبير ، القدرة على الإبداع والتكوين . القدرة على الاكتشاف والتسخير . إنّها الجرأة على حمل هذا العبء الخطير .
قال سيّد قطب : إنّها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة ، هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق اللّه . وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه اللّه في الملأ الأعلى وهو يُسجِد الملائكة لآدم . وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول :
« وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ » .
« 1 » فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند اللّه ، ولينهض بالأمانة التي اختارها . والتي عُرضت على السماوات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها . « 2 »
إنّها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم الكبير القُوى القويّ العزم . ومن ثَمَّ كان ظلوما لنفسه حيث لم ينهض بأداء هذه الأمانة كما حملها ، جهولًا لطاقاته هذه الهائلة المودعة في وجوده وهو بَعْدُ لا يعرفها .
وهكذا علّمه الأسماء : القدرة على معرفة الأشياء بذواتها وخاصّيّاتها وآثارها الطبيعية العاملة في تطوير الحياة ، والتي وقعت رهن إرادة الإنسان ليسخّرها في مآربه حيث يشاء ، وبذلك يتقدّم العلم بحشده وجموعه في سبيل عمارة الأرض وازدهار معالمها ، حيث أراده اللّه من هذا الإنسان
« هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها » .
« 3 »
وبذلك أصبح هذا الإنسان - بهذه الميزات - خليفة اللّه في الأرض ، « 4 » حيث يتصرّف فيها وفق إرادته وطاقاته المودعة فيه ، ويعمل في عمارة الأرض وتطوير الحياة .
وإسجاد الملائكة له في عرصة الوجود ، كناية عن إخضاع القوى النورانية برمّتها للإنسان ، تعمل وفق إرادته الخاصّة من غير ما تخلّف ، في مقابلة القوى الظلمانية ( إبليس وجنوده ) تعمل في معاكسة مصالحه إلّا من عصمهُ اللّه من شرور الشياطين
« إِنَّ عِبادِي
هامش
( 1 ) - الإسراء 70 : 17 .
( 2 ) - في ظلال القرآن ، ج 22 ، ص 47 ، المجلد 6 ، ص 618 .
( 3 ) - هود 61 : 11 .
( 4 ) - راجع : البقرة 30 : 2 .