وقوله تعالى :
« لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى » .
« 1 » « إلّا » هو بمعنى « سوى » مثلها في قوله :
« وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ » .
« 2 » يريد سوى ما سلف في الجاهلية قبل النهي . فالمعنى في الآية الأولى : أنّهم لا يذوقون الموت بعد موتهم الأوّل . « 3 »
وقوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا » .
« 4 » قالوا :
ليس الودّ ممّا يجعل ، وإنّما هو شي يحصل في القلب . فلا يقال : يَجْعَل لك حبّا ، بل يقال :
يحبّك .
والجواب : أنّ المراد جعل الودّ أي خلقه في قلوب المؤمنين . قال ابن قتيبة : فإنّه ليس على تأوّلهم ، وإنّما أراد أنّه يجعل لهم في قلوب العباد محبّة . فأنتترى المخلص المجتهد محبّبا إلى البرّ والفاجر ، مَهيبا مذكورا بالجميل . ونحوه قوله تعالى في قصّة موسى عليه السلام :
« وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي » .
« 5 » لم يرد في هذا الموضع أنّي أحببتك وإن كان يحبّه . وإنّما أراد أنّه حبّبه إلى القلوب وقرّبه من النفوس . فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون ، حتّى استحياه في الوقت الذي كان يقتل فيه ولدان بني إسرائيل . « 6 »
* * * وقالوا في قوله تعالى :
« وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً » .
« 7 » السُبات هو النوم ، فكيف يجعل نومنا نوما ؟
لكن السُبات هاهنا ليس بمعنى النوم ، بل هو بمعنى الراحة ، أي جعلنا النوم راحةً لأبدانكم . ومنه قيل : يوم السبت ، لأنّ الخلق اجتمع في يوم الجمعة ، وكان الفراغ منه يوم السبت . فقيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم ولاتعملوا شيئا ، فسمّي يوم السبت أي يوم الراحة .
هامش
( 1 ) - الدخان 56 : 44 .
( 2 ) - النساء 22 : 4 .
( 3 ) - تأويل مشكل القرآن ، ص 78 .
( 4 ) - مريم 96 : 19 .
( 5 ) - طه 39 : 20 .
( 6 ) - تأويل مشكل القرآن ، ص 79 .
( 7 ) - النبأ 9 : 78 .