تقنين الأسرة
إنَّ الأسرة في نظر القرآن الكريم تُعدُّ اللبنة المهمّة في البناء الاجتماعي ، وعلى مدى سلامتها ومتانة العلاقات القائمة في داخلها يتوقّف سلامة البناء برمّته . ولقد أشارت الآية المباركة إلى هذه الحقيقة
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً . . . » .
« 1 » كما أشار القرآن إلى أمر له مدخلية في استقامة البناء الاسري ، قال تعالى :
« خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
. . . » . « 2 » فالسكن هنا والمودّة والرحمة عناصر أساسية في التماسك . ثمّ لفت القرآن النظر إلى أنّ الزواج - وفق قواعد الشرع - يتّسق ويتناغم مع سائر الوجودات الأخرى التي هي من بدائع صنع اللّه تعالى ، فقال تعالى :
« سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ » .
« 3 » إذ فيها تنبيه إلى أنَّ ظاهرة الزوجية تحكم الموجودات كلّها ، وأنّ هذه الموجودات تجري على نواميس وقوانين لاتحيد عنها . قال تعالى :
« وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ » .
« 4 » وقال تعالى :
« وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ » .
« 5 » وقال تعالى :
« وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ » .
« 6 » وفي كلّ ذلك تنبيهات وإشارات واضحة إلى تحكّم القوانين في كلّ أنحاء الوجود وأجزائه . « 7 » وبناءً على ذلك ، فإنّ الأسرة يجب أن تتكوّن وتتشكّل وفق قانون ، وإنّها يجب أن تنضبط فعاليّاتها وفق قانون ، وأن تنشأ العلاقات وتتوزّع الحقوق والواجبات أيضا وفق قانون .
لقد جعل القرآن الكريم قيام الأسرة على أساس المودّة والرحمة ، كما أشير في الآية المذكورة ، وألزم الزوج بالمعاشرة بالمعروف كما في قوله تعالى
« وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ » .
« 8 » والأمر هنا ليس « وعظيا » بل هو يتضمّن صفة الإلزام ، « 9 » وهنا أصل عظيم
هامش
( 1 ) - النساء 1 : 4 .
( 2 ) - الروم 21 : 30 .
( 3 ) - يس 36 : 36 .
( 4 ) - الجاثية 22 : 45 .
( 5 ) - الحجر 19 : 15 .
( 6 ) - يس 38 : 36 .
( 7 ) - الميزان ، ج 5 ، ص 30 ، وأيضا ج 17 ، ص 88 - 91 .
( 8 ) - النساء 19 : 4 .
( 9 ) - زبدة البيان للأردبيلي ، ص 607 .