المحاورة العلمية الرصينة ، فهو يُعلّمنا أن ننطلق أولًا من مُسلّمةٍ لدى الطرفين ، أو من افتراض مقبول ، وهو ما صرّح به القرآن قائلًا :
« وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » ،
« 1 » ثمّ لتبدأ المحاورة بعد ذلك ولكن على شرط أن يقدّم كلّ واحد دليلًا على ما يقوله ، قال تعالى :
« قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ » ،
« 2 » وهو يشترط في الدليل أيضا أن يكون علما أي أمرا يقينيّا ، لأنَّ غير العلم لا يجدي ولا ينتج المطلوب ، قال تعالى :
« وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » .
« 3 »
ثمّ إذا استقرّ الحقّ وثبت الأمر بالبرهان والدليل القاطع فلابدّ حينئذٍ من التصديق به واعتماده ، والإقرار به ، قال تعالى :
« فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ » ،
« 4 » وهنا لفتةٌ بارعة في ضرورة استثمار الحقيقة والانصياع إليها .
وهكذا ، فإنَّ القرآن الكريم عندما يضع بين أيدينا مثل هذا المنهج ويدعونا إلى التمسّك به فلكي ينتهي الإنسان إلى حالة الاطمئنان ( الطمأنينة الداخلية ) فيزيح عن نفسه وعن عقله كلَّ وهمٍ وخرافةٍ وشكّ ، فيعيش حينئذٍ هادي البال يسهمُ في البناء والتقدّم في الحياة الإنسانية غير مضطربٍ ولامشدود الأعصاب ، وعند ذاك يكون القرآن قد أرسى مرتكزا أساسيا من مرتكزات البناء الحضاري وفي تخليص الإنسان من الهواجس والظنون من خلال التأكيد على اعتماد المنهج العلمي في التفكير ، فضلًا عمّا يعنيه ذلك أيضا من تعميم المعرفة وشموليّتها وعدم اقتصارها على قطّاع أو طائفةٍ أو طبقةٍ معيّنةٍ ، وهذه قيمة حضارية كبرى وميزة عظيمة ينفرد بها القرآن الكريم في إطار نظريته في المنهجة والتقنين .
* * * إنّ القرآن الكريم يتّجه فعلًا - وفي سبيل إثبات مصداقيّته في وفائه بالحاجات الأساسية ، وتنظيم العلاقات داخل الإطار الاجتماعي - إلى تقديم أطروحته فيحدّد القواعد
هامش
( 1 ) - سبأ 24 : 34 .
( 2 ) - البقرة 111 : 2 ، الأنبياء 24 : 21 ، النمل 64 : 27 .
( 3 ) - النجم 28 : 53 .
( 4 ) - يونس 32 : 10 .