فقد جاء عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أنّه قال عن القرآن الكريم : كتابُ اللّه فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم . هو الفصل ليس بالهزل . هو الذي من تركه من جبّار قصمه اللّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللّه . فهو حبل اللّه المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الذي لاتزيغ به الأهواء ، ولاتلتبس به الألسنة ، ولايشبع منه العلماء . « 1 »
وجاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في معرض ذمّه للاختلاف في كتاب اللّه ، قال : تَرِدُ على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثمّ تردُ تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا ، وإلههم واحد ! ونبيّهم واحد ! وكتابهم واحد ! أفأمرهم اللّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه ؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ؟ ! أم أنزل اللّه دينا تامّا فقصّرَ الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائِه ؟ واللّه سبحانه وتعالى يقول :
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » .
« 2 » وفيه تبيانٌ لكلّ شيء وذكر أنّ الكتاب يُصدّق بعضُه بعضا ، وأنّه لا اختلاف فيه ، فقال سبحانه :
« وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » .
« 3 »
وقال عليه السلام في موضع آخر : ألا وإنَّ فيه علم ما يأتي ، والحديثَ عن الماضي ، ودواءَ دائكم ، ونظمَ أمركم . « 4 »
وهنا لابدَّ من التنبيه إلى أنّ القرآن الكريم قد خوّل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ليس فقط وظيفة البيان والتبيين لآيات الكتاب العزيز وأحكام القرآن المجيد كما نصّ في قوله تعالى :
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » .
« 5 » وإنّما خوَّله أيضا بما أوحى إليه وبما علّمه وهداه « التشريع » ، كما صرّحت الآية المباركة :
« وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » .
« 6 »
وهنا لابدَّ أن نفترض أنّ وقت النبيّ الأكرم لم يكن يسعه لبيان كلّ الأحكام والتشريعات لمجموع الناس وعامّتهم ، ولذا اختصَّ بهذاالأمر من هو منه ، « 7 » يبلّغ عنه
هامش
( 1 ) - مجمع البيان ، ج 1 ، ص 16 من المقدّمة .
( 2 ) - الأنعام 38 : 6 .
( 3 ) - النساء 82 : 4 .
( 4 ) - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 158 ، ص 223 .
( 5 ) - النحل 44 : 16 .
( 6 ) - الحشر 7 : 59 .
( 7 ) - راجع : مسند الإمام أحمد بنحنبل ، ج 1 ، ص 3 في قصة تبليغ سورة براءة ؛ والكشّاف ، ج 2 ، ص 243 ، والرواية في صحيح الترمذي ، ج 5 ، ص 275 ، رقم 3090 .