تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
نحو تصعيد سليم . إنّ إنزال الأذى غير الضروري والّذي لا طائل تحته بالجسد مكروه في نظر الإسلام ، بل إنّه محرّم ، والصيام مفروض على الأصحّاء القادرين ، كوسيلة لتقييد الروح بفرض حدود معيّنة للجسد .
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » .
« 1 » فالصوم إنّما شرّع لأجل زرع فضيلة التقوى في النفوس ، في أيّام معدودات ، سوى المريض والمسافر ، ولسوى من يبلغ غاية طاقته . نعم ، الصوم تطوّع بالخير ، فمن تطوّع خيرا فهو خيرٌ له ، خيرٌ لنفسه وخيرٌ لمجتمعه وخيرٌ للناس أجمع . إنّ اللّه لا يريد عسرا بالعباد ولازجرا للنفوس ، وإنّما هو تكميل لمراتب كمال النفس وتربيتها على التروّض عن مهابط اللذائذ الخسيسة ، وإكبار وإعظام لمقامه تعالى ، شكرا على جزيل نعمائه . نعم ، لاشكّ أنّ أولئك الذين قد اطّلعوا على شيء من تبذّل الإغريق والرومان والفرس وعرب الجاهلية وإغراقهم في إشباع شهواتهم وتردّيهم في رذائلهم ، سيقدّرون قيمة الصيام ويدركون حسن تكييفه في شريعة الإسلام . ولابدّ للمنصفين فيهم أن يعترفوا بحكمته طريقا للحدّ من الغرائز الحيوانية عند الإنسان ، الأمر الذي امتاز به الإسلام على سائر الأديان . وليس هنالك دين قبل الإسلام في العالم ، كرّس الصدقة ، وإعالة اليتيم والأرملة والعاجز الضعيف ، بأن شرّع مبادئه فجعل تلك الأعمال إيجابية أساسية في أركانه . لقد كانت أعياد « الأغابي » أو ولائم الصدقة بين المسيحيين تعتمد على مشيئة الأفراد - كيف يقيمونها وينفقون على الضعفاء - ومن ثمّ كان تأثيرها غير منتظم ولاشافيا .
هامش
( 1 ) - البقرة 183 : 2 - 185 .