نفاه عن نفسه لا محالة ، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر . وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنّه يجعل من جماعة هذه أوصافهم وتثبيتا للأمر وتوكيدا . ولو كان وحده لقلق منه موضعه ولم يرس فيه قدمه . « 1 »
قال الأستاذ درّاز : واعلم أنّ البرهان الذي ترشد إليه الآية - على هذا الوجه - « 2 » برهان طريف في إثبات الصانع لا نعلم أحدا من علماء الكلام حام حوله ، فكلّ براهينهم في الوحدانية قائمة على إبطال التعدّد بإبطال لوازمه وآثاره العملية ، حسبما أرشد إليه قوله تعالى :
« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا » .
« 3 »
أمّا آية الشورى المذكورة فإنّها ناظرة إلى معنى وراء ذلك ينقض فرض التعدّد من أساسه ويقرّر استحالته الذاتية فينفسه بقطع النظر عن تلك الآثار ، فكأنّنا بها تقول لنا :
إنّ حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدّد والاشتراك والتماثيل في مفهومها ، كلّا ، فإنّ الذي يقبل ذلك فإنّما هو الكمال الإضافي الناقص ، أمّا الكمال التامّ المطلق - الذي هو معنى الإلهية - فإنّ حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنينية ، لأنّك مهما حقّقت معنى الإلهية حقّقت تقدّما على كلّ شيء وإنشاءً لكلّ شيء :
« فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » .
« 4 »
وحقّقت سلطانا على كلّ شيء وعلوّا فوق كلّ شيء :
« لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » .
« 5 » فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضت إذ تجعل كلّ واحد منهما سابقا ومسبوقا ، ومُنشِئا ومنشَئا ، ومستعليا ومستعلى عليه ، أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيّد فيهما ، إذ تجعل كلّ واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقا ولامستعليا ، فأنّى يكون كلّ منهما إلها ، وللإله المثل الأعلى !
فكم أفادتنا هذه الكاف من وجوه المعاني كلّها كافٍ شافٍ ، وهذا من دقّة الميزان
هامش
( 1 ) - المثل السائر ، ج 3 ، ص 61 ذكره في باب الإرداف في الكناية .
( 2 ) - أي إرداف اللفظ بحجّته في أوجز كلام .
( 3 ) - الأنبياء 22 : 21 .
( 4 ) - الأنعام 14 : 6 . يوسف 101 : 12 . إبراهيم 10 : 14 . فاطر 1 : 35 . الزمر 46 : 39 . الشورى 11 : 42 .
( 5 ) - الزمر 63 : 39 .