وأخافكم كي تُغمدوا أسيافكم * أنّ الدم المعترّ يحرسه الدم « 1 »
فقوله : « إنّ الدم المعترّ يحرسه الدم » أجمل أسلوبا وأحسن أداءً من قولة العرب .
وقال أبو هلال العسكري : والإيجاز ، القِصَر والحذف ، فالقِصَر تقليل الألفاظ وتكثير المعاني وهو قول اللّه عزّوجلّ :
« وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ »
. ويتبيّن فضل هذاالكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه ، وهو قولهم : « القتل أنفى للقتل » فصار لفظ القرآن فوق هذا القول ، لزيادته عليه في الفائدة ، وهو إبانة العدل لذكر القصاص ، وذكر العوض المرغوب فيه لذكر الحياة واستدعاء الرغبة والرهبة لحكم اللّه به ، ولإيجازه في العبارة ، فإنّ الذي هو نظير قولهم « القتل أنفى للقتل » إنّما هو
« الْقِصاصِ حَياةٌ »
وهذا أقلّ حروفا من ذلك ، ولبعده من الكلفة بالتكرير ، ولفظ القرآن برئ من ذلك . وبحسن التأليف ، وشدّة التلاؤم المدرك بالحسّ ، لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة . « 2 »
وقال جلالالدين السيوطي : وقد فُضّلت الآية على قولة العرب بعشرين وجها أو أكثر ، وإن كان لاتشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق ، وإنّما العلماء يقدحون أفهامهم فيما يظهر لهم من ذلك ، كما قال ابن الأثير . نذكر منها :
1 - في الآية إيجاز قصر ، من غير حاجة إلى تقدير . أمّا قولتهم فبحاجة إلى تقدير « من » لمكان أفعل التفضيل . وبذلك جاء الإبهام في قولتهم ، لأنّه يُسأل : من أيّ شيء ؟ فإن قدّر العموم فلعلّه غير مطّرد بالنسبة إلى جميع الموارد وجميع أفراد الناس .
2 - ثمّ الذي ينفي القتل ويوجب الحياة هي شريعة القصاص ، وهو قتل بإزاء قتل خاصّ دون مطلق القتل ، إذ ربَّ قتلة أوجبت قتلات ، كما في حرب البسوس طالت أربعين سنة .
3 - في الآية طباق ، جمعا بين ضدّين : القصاص - وفيه إشعار بقتل - والحياة . وأيضا
هامش
( 1 ) - ديوان أبي تمام ، ص 274 . والمعترّ : المضطرب لخوف الخطر .
( 2 ) - انظر : الصناعتين ، ص 175 . وهامش المثل السائر ، ج 2 ، ص 352 - 353 .