الحقيقة . وهذا من باب التنبيه بالأدنى دليلًا على الأعلى ، على حدّ قوله تعالى : « ولا
تَقُلْ لَهُما أُفٍّ » .
« 1 »
وتأويل آخر أدقّ : وهو أنّ الآية لاترمي نفي الشبيه له تعالى فحسب ، إذ كان يكفي لذلك أن يقول : « ليس كاللّه شيء » أو « ليس مثله شيء » . بل ترمي وراء ذلك دعم النفي بما يصلح دليلًا على الدعوى والإلفات إلى وجه حجّة هذا الكلام وطريق برهانه العقلي .
ألا ترى أنّك إذا أردت أن تنفي نقيصة عن إنسان ، فقلت : « فلان لا يكذب » أو « لايبخل » كان كلامك هذا مجرّد دعوى لا دليل عليها . أمّا إذا زدت كلمة المثل وقلت :
« مثل فلان لا يكذب » أو « لايبخل » فكأنّك دعمت كلامك بحجّة وبرهان ، إذ مَنْ كان على صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك ، لأنّ وجود هذه الصفات والنعوت ممّا تمنع عن الاستسفال إلى رذائل الأخلاق .
وهذا منهج حكيم وضع عليه أسلوب كلامه تعالى ، وأنّ مثله تعالى - ذا الكبرياء والعظمة - لا يمكن أن يكون له شبيه ، وأنّ الوجود لا يتسع لاثنين من جنسه . « 2 »
فجيء بأحد لفظي التشبيه ركنا في الدعوى ، وبالآخر دعامة لها وبرهانا عليها . وهذا من جميل الكلام ، وبديع البيان ، ومن الوجيز الوافي .
قال الزمخشري : قالوا : مثلك لايبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، لأنّهم إذا نفوه عمّن يسدّ مسدّه وعمّن هو على أخصّ أوصافه فقد نفوه عنه ، وهذا أبلغ من قولك : أنت لاتبخل .
ومنه قولهم : « قد أيفعت لدّاته » « 3 » و « بلغت أترابه » . « 4 » وفي الحديث : « ألا وفيهم الطيّب الطاهر لدّاته » . وهذا ما تعطيه الكناية من الفائدة . « 5 »
وقال ابن الأثير : ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظة « مثل » ، كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح : « مثلي لا يفعل هذا » أي أنا لا أفعله . لأنّه إذا نفاه عمّن يماثله فقد
هامش
( 1 ) - الإسراء 23 : 17 .
( 2 ) - النبأ العظيم ، ص 128 .
( 3 ) - أيفع الغلام : ترعرع وناهز البلوغ ، فهو يافع . واللدّ : القرن والخصم .
( 4 ) - الأتراب : جمع ترب بمعنى المتوافق في السنّ .
( 5 ) - الكشاف ، ج 4 ، ص 212 - 213 .