الحكيم - ومن ثمّ عاد إلى الوصف بالعزّة والعلم توكيدا .
وأيضا ممّا ينخرط في هذا السلك العدول من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة ، كقوله تعالى :
« وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » .
« 1 »
وإنّما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم لأنّه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة وهو يريد مناصحتهم ليتلطّف بهم ويداريهم ، لأنّ ذلك أدخل في إمحاض النصح ، حيث لا يريد لهم إلّا ما يريد لنفسه . فقد وضع
« وَما لِيَ لا أَعْبُدُ . . . »
مكان : وما لكم لاتعبدون الذي فَطركم . بدليل
« وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. ولولا ذلك لقال : وإليه أرجع . وقد ساق الكلام ذلك المساق البديع إلى أن قال :
« إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ » .
« 2 »
فانظر أيّها المتأمّل إلى هذه النُكت الدقيقة التي تمرّ عليها في آيات الذكر الحكيم ، وأنت تظنّ أنّك فهمت فحواها ، واستنبطت مغزاها .
وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد ، كقوله تعالى :
« حم . وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » .
« 3 »
وفائدة العدول في قوله
« رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ »
هو تخصيص النبي صلى الله عليه وآله بالذكر ، وأنّه المقصود بالذات من هذا النزول .
قال : وإذا تأمّلت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله الشيء الكثير .
وإنّما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها ، فيتدبّر المتدبّرون . « 4 »
* * * وأمّا الرجوع من الخطاب إلى الغيبة ، فكقوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ
هامش
( 1 ) - يس 22 : 36 .
( 2 ) - يس 25 : 36 .
( 3 ) - الدخان 1 : 44 - 6 .
( 4 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 178 .