ومنه العدول عن الماضي إلى الاستقبال أو العكس ، كقوله تعالى :
« وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ » .
« 1 » فقوله : « تثير » مسبوق وملحوق بالفعل الماضي ، اهتماما بشأنه ، إرادة لاستحضار تلك الصورة البديعة الدالّة على القدرة الباهرة ، وهي حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الرياح للسحب . وهكذا يفعل بكلّ أمر فيه ميزة واختصاص ، كحال تُستَغْرَب أو تُهِمُّ المخاطب أو غير ذلك .
قال ابن الأثير : العدول عن صيغة إلى أخرى لا يكون إلّا لنوع خصوصية اقتضت ذلك ، ولا يتوخّاه إلّا العارف برموز الفصاحة وأسرار البلاغة . وليس يوجد ذلك في كلّ كلام ، فإنّه من أشكل ضروب علم البيان وأدقّها فهما وأغمضها طريقا . « 2 »
ونظير الآية قوله :
« فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ »
« 3 » فهو لاستحضار صورة خطف الطير إيّاه أو هويّ الريح به . وللآية تصوير فنّيّ رائع تكلّمنا عنه .
وقوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
« 4 » لم يقل : وصدّوا . . . لأنّ كفرهم كان سابقا ، وإنّما المتجدّد هو الصدّ عن سبيل اللّه ولا يزال مستمرّا .
ومثلها قوله :
« أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً » .
« 5 » لأنّ نزول المطر ينقطع أمّا الاخضرار فيبقى مدّة .
وقد عكس ذلك في قوله :
« وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ »
« 6 » فالعدول إلى الماضي للدلالة عل التحقّق وأنّه كائن لا محالة . ومثلها قوله :
« وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً » .
« 7 »
ويجري هذا المجرى الإخبار عن المستقبل باسم المفعول ، كما في قوله تعالى :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ » .
« 8 »
هامش
( 1 ) - فاطر 9 : 35 .
( 2 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 183 - 184 .
( 3 ) - الحج 31 : 22 .
( 4 ) - الحج 25 : 22 .
( 5 ) - الحج 63 : 22 .
( 6 ) - النمل 87 : 27 .
( 7 ) - الكهف 47 : 18 .
( 8 ) - هود 103 : 11 .