لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » .
« 1 »
فإنّه إنّما قال :
« فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . . . »
ولم يقل : « فآمنوا باللّه وبي . . . » لكي يمكن إجراء الصفات عليه ، تنبيها على أنّ الذي يجب اتّباعه هو هذا الإنسان المتّصف بهكذا صفات تؤهّله للإمامة وحمل رسالة اللّه إلى الناس . . . إظهارا للنَّصفَة ، وبُعدا من تهمة التعصّب للنفس . . فقرّر أوّلًا في صدر الآية أنّه رسول اللّه إلى الناس .
ثمّ أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين ، الأول : إمكان إجراء تلك الصفات عليه . الثاني : الخروج من تهمة حبّ الذات ، لئلّا يكون ممّن يجرّ النار إلى قرصه .
وهذا من لطيف البيان في المداراة مع العامّة .
* * * ونوع آخر من الالتفات ، ما يكون الانتقال فيه من الفعل المستقبل أو الماضي إلى فعل الأمر ، وهذا يدخل في الحدّ الذي ذكره السكاكي : كلّ تعبير وقع على خلاف مقتضى السياق إذا كان لنكتة بيانية .
قال ابن الأثير : وهذا القسم كالذي قبله في أنّه ليس العدول فيه من صيغة إلى أخرى طلبا للتوسّع ولمجرّد التفنّن في أساليب الكلام فقط ، بل لأمرٍ وراء ذلك ، وسرٍّ كامنٍ خلفه .
فقد يقصد ذلك تعظيما لشأن من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره ، وبالضدّ من ذلك في من أُجري عليه فعل الأمر .
فمّما جاء منه قوله تعالى :
« قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » .
« 2 »
لم يقل : اشهدُ اللّه وأشهدكم ، وإنّما عدل إلى صيغة الأمر ، تهاونا بهم ، فلا يتوازنوا مع اللّه في شهادة صدق على البراءة .
هامش
( 1 ) - الأعراف 158 : 7 .
( 2 ) - هود 53 : 11 - 54 .