وإنّما قيل :
« لَقَدْ جِئْتُمْ »
وهو خطاب للحاضر ، بعد قوله :
« وَقالُوا . . . »
وهو خطاب للغائب ، لفائدة لطيفة ، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجرأة على اللّه سبحانه ، والتعرّض لسخطه ، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه ، كأنّه يخاطب قوما حاضرين بين يديه صاغرين منكرا عليهم وموبّخا لهم .
ومن هذا الباب قوله تعالى :
« أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ » .
« 1 » فبدأ بالغيبة
« أَ لَمْ يَرَوْا . . . »
وختم بالخطاب
« نُمَكِّنْ لَكُمْ »
. قيل : لنكتة هي :
حثّ السامع وبعثه على الاستماع . حيث أقبل المتكلّم عليه ، وأعطاه فضل عناية وتخصيص بالمواجهة .
ومنه أيضا قوله تعالى :
« وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً . إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً » .
« 2 » فهو تشريفٌ لمقامهم بالحضور لديه ، وتفخيمٌ لشأنهم .
ومنه :
« إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ » .
« 3 »
وهذا الالتفات هنا كان لأجل تخصيص الحكم بشخصه صلى الله عليه وآله ، فلا يعمّ المسلمين ، فيما لو توهَّم متوهِّم أَنّ ذكره كان للتمثيل لا للتخصيص .
وهذا نظير ما قالوه بشأن آية الإسراء « 4 » من أنّ الوجه في العدول من الغيبة إلى خطاب النفس كان لتخصيص القدرة ، وأنّه غير مستطاع لغيره تعالى ، وهكذا هنا ، إرادة لتخصيص هذا الحكم بالنبي صلى الله عليه وآله دون غيره .
وممّا جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه وتقارب طرفيه قوله تعالى :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » .
« 5 »
فقال أولًا :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى »
بلفظ الواحد ، ثمّ قال :
« الَّذِي بارَكْنا »
بلفظ الجمع ،
هامش
( 1 ) - الأنعام 6 : 6 .
( 2 ) - الإنسان 21 : 76 - 22 .
( 3 ) - الأحزاب 50 : 33 .
( 4 ) - قوله :« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ- إلى قوله -لِنُرِيَهُ. . . » انتقالًا من الغيبة إلى التكلّم عن النفس .
( 5 ) - الإسراء 1 : 17 .