تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
فأمّا الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى - في سورة الفاتحة - :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ » .
هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب . وممّا يختصُّ به هذا الكلام من الفوائد قوله :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
بعد قوله :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » .
فإنّه إنّما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأنّ الحمد دُون العبادة ، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده ! فلمّا كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسّطه مع الغيبة في الخبر ، فقال :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ »
، ولم يقل : الحمد لك . ولمّا صار إلى العبادة - التي هي أقصى الطاعات - قال :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
فخاطب بالعبادة إصراحا بها ، وتقرّبا منه عزّ اسمه بالانتهاء إلى محدود منها . وعلى نحو من ذلك جاء في آخر السورة ، فقال :
« صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ »
فأصرح موضع التقرّب من اللّه بذكر نِعَمِه ، فلمّا صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب ، فأسند النعمة إليه لفظا ، وزوى عنه لفظ الغضب تحنّنا ولطفا . فانظر إلى هذا الموضع وتناسب هذه المعاني الشريفة التي الأَقدام لا تكاد تطأُها ، والأَفهام مع قربها صافحة عنها . وهذه السورة قد انتقل في أوّلها من الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب . ثمّ انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلّة بعينها ، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا ، لأنّ مُخطابة المولى تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه تعظيمٌ لخطابه ، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغَضَب إليه تعظيمٌ لخطابه . فينبغي أن يكون صاحب هذا الفنّ من الفصاحة والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها . ومن هذا الضرب قوله تعالى :
« وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا » .
« 1 »
هامش
( 1 ) - مريم 88 : 19 - 89 . والإدّ : الأمر المنكر المثير للجَلَبة ، من قولهم : أدّت الناقة إذا رَجّعت حنينها ترجيعا شديدا . والأديد : الجلبة .