« مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً . بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ! وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » .
« 1 »
فبنوإسرائيل حُمّلوا التوراة ، وكُلّفوا أمانة العقيدة والشريعة . . .
« ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها »
. . .
فحملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه ، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع . ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم - وكما هي على متن الحقيقة - لاتدلّ على أنّهم قدّروا هذه الأمانة ، ولا أنّهم فقهوا حقيقتها ، ولا أنّهم عملوا بها .
ومن ثمّ كانوا كالحمار - أو أيّة بهيمة أُخرى - يحمل الكتب الضخام ، وليس له منها إلّا ثقلها . فهو ليس صاحبها ، وليس شريكا في الغاية منها !
وهي صوره زريّة بائسة ، ومثل سيّء شائن ، ولكنّها صورة معبّرة عن حقيقة صادقة .
وليست تخصّ أولئك اليهود البؤساء ، وإنّما هي سارية بشأن كلّ من حمل مشعل الهداية وهو يسير في ظلام !
إنّ أمانة اللّه لايحملها إلّا القلوب الحيّة ، الفاقهة ، المدركة ، الواعية ، المتجرّدة ، العاملة بما تحمل ، والآمرة بما تعمل . هذا هو المراد بحمل رسالة اللّه ، لاتحمّل عبأها المجرَّد !
« فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ »
وكمثل للانحراف عن سواء الفطرة ، ونقض لعهد اللّه المأخوذ عليها ، ونكوص عن آيات اللّه بعد رؤيتها والعلم بها . . . ذلك الذي آتاه اللّه آياته ، فكانت في متناول نظره وفكره ، ولكنّه انسلخ منها ، وتعرّى عنها ولصق بالأرض ، واتّبع الهوى . فلم يستمسك بالميثاق الأوّل ، ولا بالآيات الهادية ، فاستولى عليه الشيطان ، وأمسى مطرودا من حمى اللّه ، لايهدأ ولايطمئنّ ولا يسكن إلى قرار !
هذا ما عرضته الآية الكريمة ، لكن بهذه الصياغة الساذجة ، وإنّما صوّرته في مشهدٍ حيٍّ متحرّك ، عنيف الحركة ، شاخص السمات ، بارز الملامح ، واضح الانفعالات ، يحمل
هامش
( 1 ) - الجمعة 5 : 62 .