فلم تكن هناك مسبّة ، وإنّما هو تصوير حالة عاشها بنو إسرائيل طول حياتهم الخاسرة الخاسئة والخايسة الجائفة . ومن ثمّ جاء التشبيه عنهم في موضع آخر بحياة يعيشها القردة والخنازيز
« وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ » ،
« 1 » جمعا بين التفاهة والدناسة القذرة ، لوحة عاكسة فيها تلك الحياة العابثة والعائثة التي كان يعيشها بنو إسرائيل ، حكاية عن حقيقة واقعة ، لامبالغة هناك ولامسبّة .
« إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ »
قال تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا » .
« 2 »
وقال بشأن المتخلّفين :
« فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ » .
« 3 »
والنجاسة : القذارة ، الشيء يُستقذر منه . وهو سباب فاحش ! وكذلك الرجس : الشيء القذر يتنفّر منه .
لكنّه التجسيم الحسّي للدّنس المعنوي . فهم ليسوا أدناس بأجسادهم وذواتهم ، إنّما هم رجس بنيّاتهم وأعمالهم . ولكنّها الصورة المجسّدة أشدّ بشاعة وأبين قذارة وأدعى إلى التقزّز والاشمئزاز ، وإلى الاحتقار كذلك والازدراء .
فالمشركون الذين يصدّون عن سبيل ويبغونها عوجا ، وكذا القاعدون وسط الجماعة المكافحة - وهم قادرون على الحركة - الذين قعد بهم إيثار السلامة عن الجهاد ، رجس نجس ، وما في ذلك شكّ ولا ريب . رجس خبيث يلوّث الأرواح ، ودنس قذر يؤذي المشاعر ، كالجثّة المنتنة في وسط الأحياء تؤذي وتُعدي ، إنّها صورة واقع ، وليست مسبّة ورميا بلا هوادة !
هامش
( 1 ) - المائدة 60 : 5 .
( 2 ) - التوبة 28 : 9 .
( 3 ) - التوبة 95 : 9 .