الأودية وأغوارها وأبعادها . فتسيل في كلٍّ بقدرها وحسب طاقتها .
والماء في بدء نزوله من السماء صافٍ ضاف ، لكنّه في سيره في منعطفات المسيل ومتعرّجاته يحتمل معه أوساخا وأقذارا تطفو على وجه الماء زبدا رابيا ، متراكما ومتراكبا بعضه على بعض . هي ظلمات الشكوك والجهالات ، وهي التي تقع مطمح أهل القصور في النظر ، والهبوط في المستوى .
وهكذا أنواع المعادن والجواهر تذاب وتذهب أدرانها . ويعلوها رغاف ، غير أنّ ماينفع الناس من رسوبات المسيل وصفايا المصوغ هو الذي يبقى ويستمرّ في حياتهم ، وأمّا الزَبد والرغاف فيذهب جفاءً وهباءً .
فهنا عدّة استعارات وتشبيهات متداخلة ومترابطة بعضها مع بعض ، وبذلك اكتست حلّة قشيبة من الجمال .
أمّا الخاصّيّة الغريبة فهيترتفع عن المستوى العام ولا يبلغ شأوها إلّا ذوو الأذهان المتوقّدة والأفهام المرهفة الرقيقة . ولها شواهد كثيرة في القرآن .
قال تعالى - حكاية عن زكريا عليه السلام - :
« رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » .
« 1 » جاءت التكنية عن حلول مشيب عارض وعروض هرم بالغ ، بتعبيرين ، هما من أرقّ التعابير وأدقّها في هذا المجال :
أولًا : كنّى عن الشيب البالغ بوهن العظم ، وهو يلازم ضعف الشيب ، فذكر العلّة الباطنة دليلًا على المعلول الظاهر ، فقد وضع يده على السبب الأول الموجب لاستيلاء الضعف على مشاعره وجوارحه ، الآذن بالرحيل ، وهي كناية أبلغ من التصريح .
وثانيا : كنّى عن هرمه وكبر سنّه بتجلّل المشيب رأسه أجمع ، لكنّه استعار لذلك استعارة فائقة .
استعار لتهلّل البياض المتجلّل به شيب الرأس ، وهيج النار ، وهي استعارة غريبة لم تعرفه العامّة ولم يسبق لها نظير في كلام العرب .
هامش
( 1 ) - مريم 4 : 19 .