8 - جودة استعارته وروعة تخييله
قد أكثر القرآن من أنواع الاستعارة وأجاد في فنونها « 1 » وكان لابدّ منه وهو آخذ في توسّع المعاني توسّع الآفاق ، في حين تضايق الألفاظ عن الإيفاء بمقاصد القرآن ، لو قيّدت بمعانيها الموضوعة لها المحدودة النطاق .
جاء القرآن بمعانٍ جديدة على العرب ، لم تكن تعهدها ، ولا وضعت ألفاظها إلّا لمعانٍ قريبة ، حسب حاجاتها في الحياة البسيطة البدائية القصيرة المدى . أمّا التعرّض لشؤون الحياة العليا المترامية الأبعاد فكان غريبا على العرب الأوائل المتوغّلة في الجاهلية الأولى .
ومن ثمّ لجأ القرآن في إفادة معانيه والإشادة بمبانيه إلى أحضان الاستعارة والكناية والمجاز ، ذوات النطاق الواسع ، حسب إبداع المتكلّم في تصرّفه بها ، وقدرته على الإحاطة عليها في تصريف المباني والإفادة بما يرومه من المعاني . وقد أبدع القرآن في الاستفادة بها وتصريفها حيثما شاء من المقاصد والأهداف ، ولم يعهد له نظير في مثل هذه القدرة على مثل هذا التصرّف الواسع الأكناف ، الأمر الذي أبهر وأعجب وأتى بالإعجاز .
وإليك إلمامة بجوانب من هذه الظاهرة القرآنية :
هامش
( 1 ) - وقد كان الفصل السابق معرضا خصبا لأنواع الاستعارة وفنونها ، حيث الكلام عن فنون التشبيه وأنواعه . والاستعارة بأشكالها نوع من التشبيه ومتوقّفة عليه .