وربما خفي وجه مناسبة وصف نبيّهم بالحلم والرشد - وهي الكياسة ووفور العقل - مع استنكارهم عليه : كيف تمنعهم صلاته ودعاؤه من اتّباع سيرة آبائهم ، وأن يتصرّفوا في أموالهم مايشاؤون ؟ ! فلا تتناسب - ظاهرا - هذه الخاتمة مع مقصودهم في ذلك المقال الاستنكاري !
لكن المشكلة تنحلّ إذا ماعرفنا أنّ مقالهم ذاك إنّما قالوه على وجه السخرية والهزء .
قال الزمخشري : وأرادوا بقولهم :
« إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ »
نسبته إلى غاية السفه والعيّ فعكسوا ليتهكّموا به ، كما يتهكّم بالشحيح الذي لايبضّ حجره . « 1 » فيقال له : لو أبصرك حاتم لسجد لك ! وقيل : معناه إنّك للمتواصف في قومك بالحلم والرشد ، يعنون : أنّ ماتأمر به لا يطابق حالك وماشُهرت به . « 2 »
الحلم : التُؤدة والأناة ، ضدّ الطيش . والرشد : البصيرة في تدبير المعاش والقدرة على التصرّف في الأموال وفق الأصول . فالمعنى : إن كنت ذا حلم فكيف تمنعنا عن السير على منهج الآباء ، وهو مقتضى العقل أن لا يعدل الإنسان عمّا جرّبته الأسلاف ؟ ! وإن كنت رشيدا في عقلك فكيف تمنعنا عن التصرّف في أموالنا حسب إرادتنا ، والناس مسلّطلون على أموالهم ، يتصرّفون فيها مايشاؤون ، وهي قاعدة عقلائية توافقت عليها العقلاء ؟ !
* وقوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » .
« 3 »
وقوله :
« قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ
الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .
« 4 »
ففي بادئ النظر كان المتناسب ختم آية البقرة بالقدرة ، لأنّها حديثٌ عن الخلق ، وختم آية آل عمران بالعلم ، لأنّها حديث عن علمه بما في الصدور .
لكن الحديث هناك كان عن الخلق والتدبير لأنّه تعالى قال :
« خَلَقَ لَكُمْ »
أي في
هامش
( 1 ) - يقال في المثل : مايبضّ حجره أيماتندّى ، من بضّ الماء بضيضا : إذا سال .
( 2 ) - الكشاف ، ج 2 ، ص 420 .
( 3 ) - البقرة 29 : 2 .
( 4 ) - آل عمران 29 : 3 .