تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
وأمّا الآية الثانية ، فكان الكلام فيها عن النهار السرمد ، فناسبه الإبصار . قال الزركشي : وهذا من دقيق المناسبة المعنوية . * وقوله تعالى :
« إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » .
« 1 » خَتمَ الآية الأولى بقوله :
« لِلْمُؤْمِنِينَ »
. والثانية
« لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ »
. والثالثة
« لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »
لأنّ العوالم كلّها هي دليل الصنع الباعث على الإيمان . أمّا التدبّر في تفاصيل الخلق الدالّة على التدبير فهو دليل النظم الموجب للإيقان . وأخيرا فإنّ الذي يدعو للإيمان واليقين بسبب التدبّر في آياته تعالى والتفكّر في خلقه هو شرف العقل ، الموجود المفضَّل في كيان الإنسان . * وقوله تعالى :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » .
« 2 » فسياق الآية بهذا النظم البديع ، وتسلسل الخلقة بهذا النمط الرتيب ، ليقضي بختمها بهكذا تحميد وتحسين عجيب . فقد روي أنّ بعض الصحابة - يقال : إنّه معاذ بن جبل - حين نزلت الآية ، بادر إلى تحسينها والإعجاب بها ، فنطق بهذه الخاتمة قبل نزولها ، فضحك رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله وقال لمعاذ : بها خُتمت . « 3 »

2 - التصدير

هو أن تكون الفاصلة مذكورة بمادّتها في صدر الآية ، ويسمّى أيضا : ردّ العجز على الصدر . وهو من حسن البديع ، إذ يرتبط صدر الكلام مع ذيله بوشائج من التلاحم والوئام . قال ابن رشيق : وهذا يُكسب الكلام ابّهة ، ويكسوه رونقا وديباجة ، ويزيده مائيّة
هامش
( 1 ) - الجاثية 3 : 45 - 5 . ( 2 ) - المؤمنون 12 : 23 - 14 . ( 3 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 40 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 201 | الشيخ محمد هادي معرفة