تعويلهم في التحدّي إنّما هو على ما ذكرناه ، فيجب حمل القرآن في الآيات المطلقة عليه ، وفي ذلك حصولُ ما أردناه ، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة عليها والانفصال عنها .
السؤال الأوّل منها : قد زعمتم أنّ وجه إعجاز القرآن إنّما هو الفصاحة ، والبلاغة ، والنظم . وحاصلُ هذه الأُمور كلّها إمّا أن تكون راجعة إلى مفردات الكلم ، أو تكون راجعة إلى مركّباتها . ولا شك أنّ العرب قادرون على المفردات لا محالة ، ولا شك أنَّ كلّ مَن قدَرَ على المفردات فهو قادرٌ على مركّباتها ، فلو كان كما ذكرتمُوه لكان العرب قادرينَ على المعارضة ، وهذا يدلُّ على أنّ وجه إعجازه ليس أمرا راجعا إلى البلاغة ، والفصاحة ، والنظم ، وهذا هو المطلوب .
وجوابه إنّما يكون بعد تمهيد قاعدة وهو أنّ التفاوتَ بين الكتابين في الجوْدَة والكتابة إنّما يكون من جهة العلم بإحكام التأليف بين الحروف وتنزيلها على أحسن هيئة في الإيقاع ، فَمنْ كان منهما أجود علما بإحكام التأليف كانت كتابته أَعْجَب ، ومن كان عادما للعلم بما ذكرناه نقص إتّقانُ كتابته ، فكلّ واحدٍ منهما قد أَحْرَزَ ما تحتاج إليه الكتابة من الآلات كالقلَم ، والدَّواةِ ، والقِرْطاس ، واليدِ ، وغير ذلك ممّا يكون شَرْطا في الكتابة ، ولم يتميّز أحدهما عن الآخر إلّا بما ذكرناه من العلم بإحكام التأليف ، وهكذا حال أهل الحرف والصناعات ، فإنّهم كلّهم متمكّنون من أُصول الصناعات وما تحتاج إليها ، كالصناعة للذّهَبيّات والفضّيّات ، والحياكَةِ للديباجِ ، فإنَّ تفاوتهم إنّما يظهر في ما ذكرناه لا غيرُ ، فإذا عرفت هذا فالعربُ لا محالة قادرون على مفردات هذه الكلم الموضوعة ، وقادرون على حسن التأليف لهذه الكلمات ، لكنّهم غير قادرين على كلّ تأليف ، فإنّ من التآليف مالا زيادة عليه في الأعجاب ، وهو المعْجِزُ ، ومنه ما تنقص رُتْبَتهُ عن ذلك ، وليس معجزا ، وعلى هذا يكون المعجزُ إنّما كان من جهة عدم العلم بإحكام تأليف هذه الكلمات ، فقد ملكُوا القدرة على آحادها ، وملكوا القدرة على نوع من تأليفها ممّا لم يكن معجزا ، فأمّا ما كان معجزا من التأليف فلم يكونوا مالكين له ، فحصل من مجموع
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 99
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٩٩