بالنظم ، فإن عَنَيْتُم به أنّ نَظمه هو المعجزُ من غير أن يكون بليغا في معانيه ، ولا فصيحا في ألفاظه ، فهو خطأ ، فإنّ الإعجاز شاملٌ له بالإضافة إلى كلا الأمرين جميعا ، وإن عَنيْتُمْ أنّه مختصٌّ بالبلاغة والفصاحة ، خلا أنّ اختصاصه بالنظم أعجبُ وأدخَلُ ، فلهذا كان الوجه في إعجازه فهذا خطأ ، فإنّ مثل هذا لا يُدْركُ بالعقل ، أعني تميُّزَه بحسن النظم عن حسن البلاغة والفصاحة ، وأيضا فإنَّ ما ذكروه تحكُّمٌ لا مُستَنَد له عقلًا ولا نقلًا ، وأيضا فإنّا نقولُ :
هلْ يكون النظمُ وجها في الإعجاز مع ضمّ البلاغة والفصاحة إليه ، أو يكون وجها من دونهما ، فإن قالوا بالأوّل فهو جَيِّدٌ ، ولكنْ لِمَ قَصَرُوه على النظم وحْدَه ولم يضمّوهما إليه ، وإن قالوا : إنّه يكون منفردا بالإعجاز من دونهما ، فهذا خطأ أيضا ، فإنّ نظم القرآن لو انفرد عن بلاغته وفصاحته لم يكن معجزا بحال .
المذهب التاسع : مذهب من قال : إنّ وجهَ إعجازه إنّما هو مجموع هذه الأُمور كلّها ، فلا قولَ من هذه الأقاويل إلّا هو مختصّ به ، فلا جَرَم جعلنا الوجه في إعجازه مجموعها كلّها ، وهذا فاسدٌ ، فإنّا قد أبطلنا رأيَ أهل الصّرفة وزَيّفنا كلامهم ، فلا وجه لعدّه من وجوه الإعجاز ، وهكذا ، فإنّا قد أبطلنا قول من زعم أنّ الوجه في إعجازه اشتماله على الإخبار بالأُمور الغيبيّة ، وأبطلنا قول أهل الأُسلوب وغيره من سائر الأقاويل ، فلا يجوز أن تكون معدودة في وجوه الإعجاز ، لأنّ الأُمور الباطلة لايجوزُ أن تكون عِلَلًا للأحكام الصحيحة ، ومن وجهٍ ثانٍ وهو أنّ الفصاحة والبلاغة إذا كانتا حاصلتين فيه فهما كافيتان في الإعجاز ، فلا وجه لعدّ غيرهما معهما .
المذهب العاشر : أن يكون الوجه في إعجازه إنّما هو ما تضمّنه من المزايا الظاهرة والبدائع الرائقة في الفواتح ، والمقاصد ، والخواتيم في كلّ سورة ، وفي مبادئ الآيات ، وفواصلها ، وهذا هو الوجه السديدُ في وجه الإعجاز للقرآن كما سنوضّح القول فيه بمعونة اللّه تعالى . فهذا ما أردنا ذكره من المذاهب في الوجه الذي لأجله صار القرآن معجزا للخلق كلّهم .
المبحث الثالث : في بيان المختار من هذه الأقاويل .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 97
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٩٧