الكلام على وجه مخصوص لا مزيد عليه ، وما من وجهٍ من وجوه النظم إلّا وهو مقدورٌ للعباد بكلّ حال ، وهذا يُبطل كونَه دالًاّ على صدقه ، وقد تقرّر كونه دليلًا على الصدق ، فبطل كون إعجازه هو الفصاحة .
وجوابه أنّا قد قرّرنا أنّ الوجه في إعجازه هو الفصاحة والبلاغة مع النظم بما لا مَطْمَع في إعادتِه .
قولُه لو كانت الفصاحة وجها في إعجازه لما كان له دلالة على الصدق ، قلنا : هذا فاسدٌ فإنّ النظْم وإن كان مقدورا لنا ، لكنّه قد يقع على وجهٍ لا يمكنُ كونه مقدورا لنا ، ولهذا فإنّ العلْم مقدورٌ لنا ، والفعلُ من جنس العلوم ، وقد استحال كونها مقدورة للعباد ، لِما كانت واقعة على وجه يستحيل وقوعه في حقّ العباد ، فإنَّ جنس الحركة مقدورٌ لنا ، وحركة المرتعش وإن كانت من جنس الحركة ، لكنّها لمّا وقعتْ على وجهٍ يتعذّرُ على العباد جاز الاستدلالُ بها على اللّه تعالى ، فهكذا حال البلاغة ، فإنّها وإن كانت من قبيل النظم والتأليف . وهو مقدور لنا ، لكنّه لمّا وقع على وجهٍ يتعذّرُ تحصيلُه من جهتنا ، كان دليلًا على الصدق من هذه الجهة ، فحصل من مجموع ما ذكرناه أنّ القرآن دالٌّ على صدق مَنْ ظهر على يده ، وما ذاك إلّا لكونه مختصّا بالوقوع من جهة اللّه تعالى مع كون جنسه من مقدور العباد ، وفيه دلالة على صدْقه كما نقوله في سائر المعجزات الدالّة على صدقه ، وإن لم يكن لها تعلقٌ بمقدور العباد ، كإطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير ، ونبوع الماء من بين أصابعه ، إلى غير ذلك من المعجزات الباهرة له صلى الله عليه وآله .
السؤال الثالث : هو أنّ الصحابة ( رضياللّه عنهم ) لما اهتمّوا بجَمْع القرآن بعد الرسول صلى الله عليه وآله وكانوا يطلبون الآية والآيتين ، ممّن كان يحفظها منهم ، فإن كان الراوي مشهورَ العدالة قَبلُوها منه ، وإنْ كان غير مشهور العدالة لم يقبلوها منه ، وطلبوا على ذلك بَيِّنَةً فلو كان الوجه في إعجازه هو الفصاحة كما زعمتم ، لكان متميّزا عن سائر الكلام وكان لاوجه للسؤال ، لِما يظهر من التمييز ، وفي هذا دلالة على أنّ وجه إعجازه هو الصرفة ، أو غيرها ، دون الفصاحة .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 101
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٠١