تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ما ذكرناه ، أنّ الإعجاز ليس إلّا تأليف هذه الكلمات على حدّ لا غاية فوقه ، فإلى هذا يرجع الخلافُ ، ويحصل التحقّق بأنّ عجزهم إنّما كان من جهة عدم العلم بهذا التأليف المخصوص في الكلام . لا يقال : فحاصل هذا الجواب أنّ اللّه تعالى لم يخلق فيهم العلم بإحكام التأليف الذي يحتاج إليه في كون الكلام معجزا ، وهذا قول بمقالة أهل الصّرفة ، فإنّ حاصل مذهبهم هو أنّ اللّه تعالى سلَبَهم الداعي إلى معارضة القرآن ، وأعْدم عنهم العلومَ التي لأجلها يقدرون على المعارضة ، وأنتم قد زيّفتم هذه المقالةَ وأبطلتموها ، فقد وقعتم فيما فررتم منه ، لأنّا نقول هذا فاسدٌ فإنّا نقول إنّهم عادمون لهذه العلوم قبْلَ المُعْجز وبعْدَه ، وأنّها غير حاصلة لهم في وقتٍ من الأوقات فلهذا استحال منهم معارضةُ القرآن كما قرّرناه من قبلُ ، بخلاف مقالة أهل الصّرفة فإنّ عندهم أنّ علوم التأليف كانت حاصلة معهم قبلَ ظهور المُعْجز ، لكن اللّه تعالى سلَبَهم إيّاها كما مرّ تقريره ، فلهذا كان ما ذكرناه مخالفا لما قالوه . السؤال الثاني : لو كانت الفصاحة هي الوجه في كون القرآن معجزا لَما كان فيه دلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وآله وقد تقرّر كونه دالّا على صدقه ، فيجب أن لا يكون الوجه في إعجازه هي الفصاحة ، بل الصّرفة كما تقول أصحابها ، أو وجْهٌ آخر غير الفصاحة ، وإنّما قلنا : إنّه لو كان الوجه في إعجازه الفصاحة لَما كان فيه دلالةٌ على الصدق ، فلأنّ الدلالة على الصدق إنّما تقع إذا كانت موجودةً من جهة اللّه تعالى إلّا أنّه تعالى ليس فاعلًا للفصاحة من جهة أنّ الفصاحة المَرْجعُ بها إلى خُلوص الكلام من التعقيد ، والبلاغةُ ترجعُ إلى مطابقة الكلام وحسن تأليفه ، وهذه كلّها مقدورةٌ لنا ، ولهذا بطل أن يكون الإعجاز حاصلًا بها ، فإذن لابدّ من أن يكون وجه الإعجاز متعلّقا بقدرة اللّه تعالى ، لأنّه هو المتولّي لصدق أنبيائه ، فكلُّ ما كان من المعجزات لايُقَدَّرُ كونه من جهته ، فإنّه لا يكون فيه دلالة على صدق مَن ظهر عليه ، وإنّما قلنا : إنّ فيه دلالةً على الصدق ، وهذا ظاهر لا يمكن إنكاره ، فإنّ القرآن منْ أبْهَر الأدلّة على صدق صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله فلو كان وجهُ إعجازه هو الفصاحة لم يكن فيه دلالةٌ على الصدق ، لأنّ الفصاحة والبلاغة المرجعُ بهما إلى انتظام