عاما . .
كنّا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينةٍ مصريّة تمخر بنا عُباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك ، من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم . . وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة ! واللّه يعلم ، أنّه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر ممّا كان بنا حماسة دينيّة إزاء مبشّر كان يزاول عمله على ظهر السفينة ، وحاول أن يزاول تبشيره معنا ! . . وقد يسّر قائد السفينة - وكان إنجليزيّا - أن نقيم صلاتنا ، وسمح لبحّارة السفينة وطهاتها وخدمها - وكلّهم نوبيّون مسلمون - أن يصلّي منهم معنا من لا يكون في « الخدمة » وقت الصلاة . وقد فرحوا بهذا فرحا شديدا ، إذ كانت المرّة الأُولى التي تقام فيها صلاة الجماعة على ظهر السفينة . . .
وقمتُ بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة ، والركّاب الأجانب - معظمهم - متحلّقون يرقبون صلاتنا ! . . . وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنّئوننا على نجاح « القدّاس » ! ! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا ! ولكن سيّدة من هذا الحشد - عرفنا فيما بعد أنّها يوغسلافيّة مسيحيّة هاربة من جحيم « تيتو » وشيوعيّته ! - كانت شديدة التأثّر والانفعال ، تفيض عيناها بالدمع ولاتتمالك مشاعرها . جاءت تشدّ على أيدينا بحرارة ، وتقول - في إنجليزيّة ضعيفة - : إنّها لاتملك نفسها من التأثّر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح ! . . وليس هذا موضع الشاهد في القصّة . . . ولكن ذلك كان في قولها : أيّ لغة هذه التي كان يتحدّث بها « قسّيسكم » ! فالمسكينة لاتتصوّر أن يقيم « الصلاة » إلّا قسّيس - أو رجل دين - كما هو الحال عندها في مسيحيّة الكنيسة ! وقد صحّحنا لها هذا الفهم ! . . .
وأجبناها . . فقالت : إنّ اللّغة التي يتحدّث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب ، وإن كُنت لم أفهم منها حرفا . . ثُمَّ كانت المفاجأة الحقيقيّة لنا وهي تقول : ولكن هذا ليس الموضوع الذي أُريد أن أسأل عنه . . إنّ الموضوع الذي لفت حسّي ، هو أنّ « الإمام » كانت ترد في أثناء كلامه - بهذه اللغة الموسيقيّة - فقراتٌ من نوع آخر غير بقيّة كلامه ! نوع أكثر موسيقيّة وأعمق إيقاعا . . هذه الفقرات الخاصّة كانت تحدث فيّ رعشة وقشعريرة ! إنّها شيء آخر !
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 196
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٩٦